الاشتراكيون الديمقراطيون» و«حزب الشاي»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من حق المؤسسة الحزبية «الديمقراطية» الأميركية، التي اهتزت بفعل صعود «الاشتراكيين التقدميين»، أن تتساءل: إلى أين ستقود هذه الموجة؟ فحركة «حزب الشاي» الشعبوية داخل الحزب الجمهوري، رغم ارتباكها، مهّدت لوصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة. وقد واجه مرشحو الحزب الجمهوري للكونجرس، المدعومون من المؤسسة الحزبية «الجمهورية»، ضغوطاً كبيرة منذ انتخابات 2010، واستمر ذلك خلال دورتَي 2012 و2014. وخسر بعضُهم انتخابات تمهيدية أمام الشعبويين المحافظين الذين عرَّفوا أنفسَهم كمرشحين عن «حزب الشاي»، وقد نجحوا في تحفيز الناخبين المطالبين بالتغيير، والمقتنعين بأن الجمهوريين في الكونغرس لا يواجهون الرئيسَ باراك أوباما بالقوة الكافية، رغم أن الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ غالباً ما افتقروا للأصوات الكافية لعرقلة أجندته. ويبدو المشهد مشابهاً هذا العام مع الشعبويين التقدميين، وبينهم مرشحون منتسبون إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا، وتأثيرهم في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي. ومن أبرزهم غراهام بلاتنر، الفائز بترشيح الحزب لمجلس الشيوخ في ولاية مين، وميلات كيروس، الفائزة بترشيح الحزب لمجلس النواب في كولورادو، إضافةً إلى فوز ثلاثة مرشَّحين للكونغرس في نيويورك بدعم من عمدة المدينة زهران ممداني، العضو في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا. ويقول جيريميا جونسون، المؤسس المشارك لمركز الليبرالية الجديدة، إن الحماس الشعبي في الدوائر الانتخابية ذات الأغلبية «الديمقراطية» يصب في صالح جناح الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين في الحزب.

ولا يتعلق الأمر بالرغبة في التغيير وفي وجود أشخاص مقاتلة، أكثر من كونه مرتبطاً بسياسات محددة. وأشار جونسون إلى أن اثنين من أبرز أعضاء مجلس النواب «الديمقراطيين» الذين خسروا أمام منافسين اشتراكيين، وهما ديانا ديغيت عن كولورادو وأدريانو إسبايلات عن نيويورك، كانا يتمتعان بسجل تقدمي قوي في تصويتاتهما داخل المجلس.

ويشغل إسبايلات أيضاً رئاسةَ التجمع الإسباني في الكونغرس، بينما أعلن زهران ممداني دعمَه لمنافس إسبايلات. ويرى آدم غرين، المؤسس المشارك للجنة حملة التغيير التقدمي، وهي جماعة تدعم العديدَ من الاشتراكيين الصاعدين، أن مجموعة الشعبويين التقدميين الحاليين تحظى بجاذبية أوسع لدى الناخبين مقارنةً بحركة حزب الشاي.

لكن العديد من الناشطين «الديمقراطيين» المخضرمين يخالفونه الرأي، حيث يخشون أن يتمكن «الجمهوريون» من انتزاع مقعد مجلس الشيوخ الشاغر في ولاية ميشيغان المتأرجحة إذا فاز التقدمي عبد السيد بترشيح الحزب، وأن يستولي الحزب «الجمهوري» على منصب حاكم ولاية ويسكونسن الشاغر، الذي يشغله «الديمقراطيون» حالياً، إذا أصبحت الاشتراكية فرانشيسكا هونغ مرشحةَ الحزب هناك. وقد برزت مخاوف مماثلة بشأن قدرة الشعبويين التقدميين على قلب موازين القوى لصالح مرشحي المؤسسة «الديمقراطية» وشاغلي المناصب في الانتخابات التمهيدية في ولايات كونيتيكت وهاواي وميسوري. ويكمن القلق في أنه كلما زاد نجاح مرشحي اليسار في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، زادت قدرةُ الجمهوريين على وصم الحزب بأكمله بـ«الاشتراكية»، بسبب مواقف مثل المطالبة بخفض تمويل الشرطة وإدارة الهجرة والجمارك، وتطبيق نظام رعاية صحية حكومي شامل، وإلغاء جميع عمليات التنقيب عن الوقود الأحفوري.

ويُعتبر ذلك بمثابة كارثة سياسية، ففوز الاشتراكيين قد يُضعف موقفَ الديمقراطيين الوسطيين والبراغماتيين الذين يخوضون الانتخابات في الدوائر الانتخابية المتأرجحة والولايات الجمهورية التي يحتاج الديمقراطيون للفوز بها لتحقيق الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، فضلاً عن تعزيز سيطرتهم على مناصب حكام الولايات والمجالس التشريعية المحلية. وأوضح جيم كيسلر، نائب الرئيس التنفيذي للسياسات في مؤسسة «ثيرد واي»، وهي مركز أبحاث ديمقراطي وسطي في واشنطن العاصمة، أن المرشح «الديمقراطي» في الدوائر الانتخابية النموذجية يحتاج إلى حصد 60% من أصوات المعتدلين للفوز، بينما يحتاج المرشح «الجمهوري» إلى 40% فقط. فعلى سبيل المثال، لم يحصل الرئيس دونالد ترامب إلا على 41% من أصوات المعتدلين على مستوى البلاد. وإذا كان الماضي مؤشراً للمستقبل، فإن مخاوف «الديمقراطيين» مبررة. فقد ساهمت طاقة حركة حزب الشاي الشعبية في تحقيق أغلبية تاريخية للحزب «الجمهوري» في مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي لعام 2010، ولكنها ربما أيضاً أفقدت الحزبَ تقدمَه في مجلس الشيوخ.

وكان «الجمهوريون» مرشحين بقوة للفوز بمقاعد في مجلس الشيوخ بولايات مثل ديلاوير وإنديانا وميزوري، لكن مرشحي حزب الشاي خسروا الانتخابات العامة بعد فوزهم في الانتخابات التمهيدية. ولم يستعد «الجمهوريون» أغلبيةَ مجلس الشيوخ إلا عام 2014، بعدما دعمت قيادة الحزب مرشحين أكثر قدرةً على الفوز. كما تسببت أجنحة حزب الشاي داخل الأغلبية «الجمهورية» في مجلس النواب في شل الحزب خلال إدارة باراك أوباما، برفضها التسويات وإفشال إصلاحات محافظة تدريجية، وكان الإغلاق الجزئي للحكومة عام 2013 احتجاجاً على قانون الرعاية الصحية الميسرة أبرز تلك الإخفاقات.

ومع ذلك، فقد ترك «حزب الشاي» بصمتَه الدائمةَ على الحزب «الجمهوري» بصعود ترامب، الذي جسد الشخصيةَ المقاتلةَ التي كان يبحث عنها الشعبويون المحافظون. ولا يزال الطريق طويلاً أمام الحزب «الديمقراطي» في الانتخابات التمهيدية العام الحالي، ناهيك عن سباق ترشيح الحزب للرئاسة عام 2028. لكن هذا المشهد يبدو مألوفاً بشكل يثير الريبة.
*كاتب أميركي ومؤلف كتاب «في ظل ترامب: معركة 2024 ومستقبل الحزب الجمهوري»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد