الأيديولوجيا حين تتلاعب بالنص المقدس!
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حملت مراسم جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي رسائل تتجاوز التشييع إلى إعلان استمرار المشروع الذي مثّله. وظهر القرآنُ في هذه المراسم بوصفه لغةً سياسيةً تحدد مراتب القرب والخصومة، وتمنح الحلفاء معاني الثبات والولاية، وتضع الآخرين داخل دوائر العتاب أو الاستمالة.
اختيار آيات مختلفة أثناء مرور الوفود كشف عن توزيع محسوب للمعاني والتأويلات. آيات تستدعي القيام والقتال والمرابطة، وأخرى توحي بالفتح أو الطمأنينة، بينما خُصّت الجماعات المرتبطة بإيران بمعاني الولاية والغلبة والعهد. ولم تكن التلاوةُ واحدةً، لأن الرسالة لم تكن واحدة، فلكل طرف سياسي موقعه ووظيفته في الحساب الإيراني.
 أما الآية التي رُفعت فوق الجثمان، وهي قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾، فقد نقلتْ المشهدَ من معنى الرحيل إلى معنى الاستمرار. لم يُقدَّم خامنئي بوصفه قائداً انتهى دوره، بل بوصفه رمزاً يُراد تحويلُ موته إلى دعوة لمواصلة المشروع. وهكذا تحوّلت الجنازةُ إلى تعبئة سياسية، وإلى إعلان بأن غياب الرجل لا يعني غياب المنظومة!
وتتصل تلك الدلالة مباشرةً بفكرة ولاية الفقيه التي جعلت السلطةَ السياسيةَ امتداداً لمرجعية دينية تتجاوز حدودَ الدولة. ومنذ عام 1979، أعادت الثورة الخمينية صياغةَ مفاهيم قرآنية استخدمتها داخل مشروع عابر للحدود، وحوّلت شعارات مثل «المقاومة» و«الاستضعاف» و«الشهادة» و«الولاية».. إلخ، إلى أدوات لبناء النفوذ وإضفاء المشروعية على تنظيمات مسلحة تتقدم صلتُها بالمحور على التزامها بالدولة الوطنية.
وقد بدت المفارقةُ واضحةً في المراسم: الآيات ذات الحمولة التكليفية استُدعيت في مخاطبة أطراف عربية وإسلامية، بينما حضرت لغة الطمأنينة والمصلحة مع القوى الدولية. أما الوكلاء المسلحون فمُنحوا موقعاً يتجاوز التحالفَ السياسي إلى الانتماء المقدس. وهنا تتجلى براغماتية المشروع: العقيدة تُستدعى لحشد القريب، والمصلحةُ تَضبط مخطابَةَ البعيد!ولا يمكن قراءة هذه الظواهر بمعزل عن تجارب المنطقة التي شهدت اعتداءاتٍ إرهابيةً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، نفّذتها جماعاتٌ نشأت في بيئة المحاور وتلقّت دعماً وتسليحاً وغطاءً عقائدياً. ولم تكن تلك الاعتداءات مجرد عمليات عسكرية، إذ سبقتها سرديةٌ جعلت تَجاوزَ الحدود والسيادة واجباً، ومنحت السلاحَ الخارجَ عن الدولة معنى يتجاوز القانون والمحاسبة!
لهذا لا تبدأ المواجهةُ مع الصاروخ لحظة إطلاقه، بل تبدأ مع الفكرة التي تمنح مطلِقَه يقيناً بأنه ينفذ تكليفاً مقدساً. وحين يُرفَع التنظيمُ المسلح إلى منزلة الولاية والغلبة، تصبح مساءلتُه خروجاً على الدِّين، ويُطلب من المجتمعات أن تقبل الدمارَ باسم الثبات، والتهجير باسم التضحية، واستمرار الحرب باسم الوفاء.
لقد رفعت الثورةُ الخمينيةُ شعاراتِ نصرة فلسطين ومواجهة الاستكبار والدفاع عن المستضعفين، واستخدمتها لتوسيع نفوذها داخل دول عربية، ولبناء سلطات مسلحة موازية لمؤسساتها. والقضيةُ الفلسطينية أعدل من أن تكون غطاءً لمشروع إقليمي، كما أن دماء الفلسطينيين والعرب أكرم من أن تتحول إلى رصيد في صراع النفوذ.
الخلاف مع مشروع سياسي، لا مع الشعب الإيراني ولا مع مذهب من مذاهب المسلمين. وإيران حضارةٌ عريقةٌ، وشعبُها دفع من جانبه كلفةَ العزلة والمواجهة. أما الخطر فيكمن في أيديولوجيا جعلت الولاءَ العابرَ للحدود مقدَّماً على سيادة الأوطان، وحوّلت الدِّينَ من ميزان يحاكم السلطةَ إلى وسيلة تمنحها الحصانةَ.
أمنُ الخليج والعالم العربي يقتضي إنهاءَ زمن الوكلاء، واستعادةَ الدولة قرارَ الحرب والسلم، وتحرير القضايا العادلة من قبضة الأيديولوجيا.. فالقرآن كتاب هداية وعدل وصيانة للدماء، وليس سجلاً لتوزيع الحلفاء والخصوم. وكل مشروع يستدعي قداسةَ النص ليمنح سلاحَه شرعيةً، أو يجعل معارضتَه اعتراضاً على الدين، يضع السياسةَ فوق الوحي، وإن ادّعى الدفاعَ عنه!


 *أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد