التعليم الأميركي.. تراجعٌ يخفي تحولاً إيجابياً
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تحمل أحدثُ التقارير عن المدارس الحكومية الأميركية الأخبارَ السلبيةَ المعتادة، إذ أظهر تقريرُ قياس أداء التعليم الصادر عن مراكز أبحاث في جامعتي هارفارد وستانفورد أن نتائج الطلاب في القراءة والرياضيات واصلت التراجعَ منذ عام 2013.
ورغم هذا التراجع، يَبرز تطورٌ مهم يحدث بعيداً عن الأضواء، يتمثل في نجاح معلمين مبدعين في إحداث تغيير تدريجي، يكاد يكون غير ملحوظ وسط خيبة الأمل التي تعكسها نتائج الاختبارات.
وبدأ هذا التحول قبل 30 عاماً عندما ابتكرتُ نوعاً جديداً من قوائم أفضل المدارس الثانوية بهدف الترويج لأحد مؤلفاتي، وأطلقتُ عليه اسم «مؤشر التحدي». واستلهمتُ الفكرةَ من المدارس الحكومية ذات الدخل المنخفض، التي كانت تقدم للطلاب دوراتٍ تدريبيةً في الرياضيات واللغة الإنجليزية والعلوم والتاريخ، ويخوضون الامتحانات النهائية رغم تراجع مستوى التعليم الشائع في العديد من المدارس الثانوية.وعند إطلاق المؤشر، لم تتجاوز نسبةُ المدارس التي فاق فيها عددُ اختبارات «برنامج المستوى المتقدم» عددَ خريجيها 1%، أي 243 مدرسة فقط، لكنها ارتفعت تدريجياً حتى شمل المؤشرُ نحو 12% من المدارس الثانوية الأميركية بحلول عام 2019.
كما تغيرت طبيعة المدارس المتصدرة للتصنيف، فبعدما كانت في عام 1998 تضم في معظمها مدارس تخدم أبناءَ الأسر الميسورة، أصبحت بعد عقدين تضم غالبيةً من المدارس التي تخدم طلاباً من الأسر منخفضة الدخل، وكان كثيرٌ منها مدارس مستقلة ممولة حكومياً.
ووفقاً لمجلس الكليات، شهد التحاقُ الطلاب من الأسر منخفضة الدخل ببرنامج المستوى المتقدم نمواً هائلاً، وإن لم يحظَ باهتمام واسع. فقد ارتفع عددُ المتقدمين لاختبارات البرنامج من 94 ألف طالب عام 2003 إلى نحو 845 ألفاً عام 2025، كما زادت نسبتُهم من إجمالي المتقدمين من 11.6% إلى 27% خلال الفترة نفسها.
ويعود هذا التحول إلى جهود معلمين نجحوا في تشجيع الطلاب على خوض مقررات أكثر صعوبة، من خلال تعويدهم على أيام دراسية أطول ودروس أكثر صعوبة، وهو ما ساعد أعداداً متزايدةً من الطلاب في جميع أنحاء البلاد على بناء المهارات اللازمة للنجاح في اختبارات برنامج المستوى المتقدم والبكالوريا الدولية. وحتى الطلاب الذين لم يجتازوا هذه الاختبارات أكدوا أنهم استفادوا من تجربة دراسة المقررات الصعبة.
واستغرق الأمر وقتاً حتى يقتنع بعضُ التربويين وأولياء الأمور بأهمية هذا النهج، إذ كان كثيرٌ منهم يخشى أن يشكل ضغطاً كبيراً على الطلاب. كما تبين أن إعدادَ مقررات واختبارات تضاهي مستوى برنامج المستوى المتقدم ليس بالأمر السهل، خلافاً لما كان يعتقده مديرو المدارس.
ورغم استمرار كثير من المدارس في فرض عوائق على الالتحاق بمقررات برنامج المستوى المتقدم، فإن بعضَ المدارس شجّعت حتى الطلاب ذوي المستوى الدراسي المتوسط على خوض التجربة، بينما تمكّن آخرون مِن تجاوز هذه القيود والنجاح بالاعتماد على جهودهم الذاتية، في إشارة إلى أن إتاحة الفرصة أمام عدد أكبر من الطلاب قد تكون أكثر أهمية من الاقتصار على المتفوقين، كما كان مجلسُ الكليات سعيداً بمنح اختباراته الصعبة لمن يدفع الرسوم.
 ونجحت بعض المدارس في إزالة القيود التي كانت تَمنع الطلابَ العاديين من الالتحاق بمقررات «برنامج المستوى المتقدم»، ما أدى خلال أربع سنوات إلى زيادة عدد الملتحقين بها بنسبة 50%، إلى جانب تحسن معدلات النجاح في الاختبارات.
كما دحضت دراسةٌ أُجريت عام 2008 الاعتقادَ بأن أداء طلاب «برنامج المستوى المتقدم» في الجامعة يعود فقط إلى تفوقهم الدراسي. وأظهرت أن الطلاب ذوي الدرجات المنخفضة في اختبار «سات»، الذين لم يحققوا درجة النجاح في اختبارات البرنامج، حققوا في الجامعة نتائج أفضل في مواد مثل اللغة الإنجليزية، والتفاضل والتكامل والأحياء والتاريخ، مقارنةً بالطلاب الحاصلين على درجات مماثلة في اختبار «سات» لكنهم لم يدرسوا «برنامج المستوى المتقدم».
وأظهرت تجاربُ طلاب آخرين أن إتاحة الالتحاق بمقررات «برنامج المستوى المتقدم» حتى لمن لا يحققون درجات مرتفعة قد تفتح أمامهم فرصاً أكاديميةً أفضل، في حين أن اشتراط الحصول على درجات مرتفعة أو الحصول على توصيات المعلمين يَحرم كثيرين من هذه الفرصة.ورغم أن بعض المدارس الأميركية لا تزال تتساهل مع الأداء المتوسط، فإن التوسع التدريجي في إدخال المقررات الصعبة إلى المدارس الثانوية يسهم في تغيير هذا المنظور، ويجعل كثيراً من المدارس أفضل مما كانت عليه.


*كاتب متخصص في الشؤون التعليمية ومؤلف كتاب «دليل المتفائل إلى التعليم العام الأميركي»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد