«الاستخبارات الوطنية».. والقيود البيروقراطية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في الوقت الذي يستمر فيه البيت الأبيض في إثارة الاضطراب داخل المؤسسة الأعلى في الهرم الاستخباراتي الأميركي، عادت إلى الظهور تساؤلات قديمة، يعود عمرها إلى أكثر من 20 عاماً، أو ما يعادل عمر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية نفسه، وهي تساؤلات تدور حول جدوى وجود المكتب، وحجمه، وحدود سلطته على وكالات الاستخبارات البالغ عددها 18 وكالة، وكيفية ضمان عدم استغلال صلاحياته الواسعة في التجسس لأغراض سياسية بدلًا من حماية الأمن القومي.وكانت تولسي غابارد الأولى التي تقوم بتقليص عدد موظفي مكتب مدير الاستخبارات الوطنية بنحو 40% ليزيد قليلاً عن ألف موظف، وضغطت على الخبراء لتأكيد مواقف ترامب بدلاً من معارضتها، وأقالت محللين خالفوا تقديراته بشأن فنزويلا. كما وجهت موارد المكتب للتحقيق في مزاعم ترامب بشأن انتخابات 2020، وشاركت في مداهمة نفذها مكتب التحقيقات الفيدرالي لمركز انتخابي قرب أتلانتا، قبل أن تغادر منصبها.
ثم عين ترامب بيل بولت الأقل كفاءة والأكثر تملقاً، مديراً للاستخبارات الوطنية بالإنابة، حيث استغل مناصبه الحكومية، كرئيس لهيئتي الإسكان والرهن العقاري، لتوجيه اتهامات باطلة بالاحتيال العقاري ضد خصوم ترامب السياسيين. وبصفته مديراً مؤقتاً للاستخبارات الوطنية، لا يحتاج بولت إلى مصادقة مجلس الشيوخ، ولن يحصل عليه حتى من «الجمهوريون» المستاؤون من اختياره.

ومع ذلك، يستغل بولت الآن منصبه المؤقت لتنفيذ أوامر ترامب. فقد أزاح بالفعل عشرات الخبراء، من بينهم أندرو بايرز وويل روجر، الذين شغلوا مناصب رفيعة في إدارة مجلس الاستخبارات الوطنية، وهو هيئة تهدف إلى استخلاص رؤى جميع الوكالات الـ18. وقد يرفع «بولت» السرية عن بعض الوثائق بشكل انتقائي بما يخدم مصالح ترامب حول انتخابات 2020.
وكان المرشح التالي جاي كلايتون، الذي كان يحتاج إلى موافقة مجلس الشيوخ لخلافة بولت، خلفيته كمحامٍ سابق في قضايا الأوراق المالية ومدعي عام بارز تجعله أكثر قبولاً لدى «الجمهوريين» مقارنة ببولت. وتتماشى تلك التخفيضات المتتالية مع انتقادات قديمة من اليمين تتعلق بعدد الموظفين. ويطالب توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، بخفض عدد موظفيه إلى نحو 650 موظفاً، وهو عدد متناهي الصغر.ويقول جون نيغروبونتي، أول مدير للاستخبارات الوطنية عام 2005، إن قانون الكونجرس الذي أنشأ مكتب مدير الاستخبارات الوطنية عام 2004، والتوجيهات التي تلقاها آنذاك من الرئيس جورج دبليو بوش، كانت استجابة لإخفاقين استخباراتيين كبيرين، أولاً، الهجوم الإرهابي في 11 سبتمبر 2001، ثم الافتراض الخاطئ بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، والذي تبين لاحقاً عدم صحته.

وكان الدرس الذي استخلصه الكونجرس هو أنه ربما كان من الممكن منع هجمات 11 سبتمبر لو تبادلت الوكالات المختلفة معلوماتها الاستخباراتية وربطتها ببعضها. لذا، كان من الضروري إنشاء مكتب إضافي، هو مكتب مدير الاستخبارات الوطنية، لكسر الحواجز البيروقراطية، بعدما أثبت مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك أنه لم يكن يتمتع بالحياد المؤسسي الكافي للقيام بهذا الدور.
أما الدرس المستفاد من قضية أسلحة الدمار الشامل، بحسب نيغروبونتي، فهو ضرورة عدم اعتماد معلومات استخباراتية خاطئة إلى درجة تتحول معها إلى مصدر إحراج وطني.
ويرى دينيس بلير، مدير الاستخبارات الوطنية خلال إدارة باراك أوباما، أن هجمات 11 سبتمبر دفعت أجهزة الاستخبارات إلى تبادل كم هائل من المعلومات عن التهديدات الإرهابية، حتى غرق المحللون في فائض من البيانات، بينما تمسكت الوكالات بصلاحياتها عند التعامل مع تهديدات كوريا الشمالية وإيران.
وأوضح بلير أن عمل الأجهزة كان قائماً على التعاون لا إصدار الأوامر، لذلك كانت هناك حاجة إلى مدير للاستخبارات الوطنية يحدد الأولويات الوطنية ويُلزم الوكالات بالتركيز عليها.
وعندما سُئل عن إمكانية إلغاء المكتب، رد بلير بأن ذلك سيعيد مهمة الإشراف على وكالات الاستخبارات الـ18إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية، رغم أن تجربة ما قبل 11 سبتمبر أثبتت أنه لم يكن يملك القدرة الكافية للقيام بهذا الدور. ويرى بلير أن نموذج مكتب مدير الاستخبارات الوطنية ناجح إلى درجة تستحق أن تقتدي به دول من بريطانيا وإلى إسرائيل. لكن منح مدير الاستخبارات الوطنية صلاحيات أوسع يزيد أيضاً من خطر تسييس المنصب واستخدامه كسلاح سياسي، وهو ما يتهم الكاتب ترامب بفعله، بينما يتهم ترامب إدارتي جو بايدن وباراك أوباما بالقيام بذلك قبله.
ولن يختفي هذا الخطر بإلغاء المكتب، بل إن الحل يكمن في ترسيخ ثقافة المهنية والنزاهة داخل أجهزة الاستخبارات، لمنع تحولها إلى أداة سياسية أو شرطة سرية.لقد أصبح العالم أكثر خطورة، مع توسع الترسانات النووية لدى كوريا الشمالية وسعي إيران ودول أخرى إلى امتلاك السلاح النووي، ولذلك تحتاج الولايات المتحدة، أكثر من أي وقت مضى، إلى مكتب مدير استخبارات وطنية قوي، ومهني، ومحايد سياسياً.
*كاتب متخصص في الشؤون الدبلوماسية والأمن القومي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سيننديكيشن»



إقرأ المزيد