رصاصة اسمها «خبر»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ليست كل الرصاصات من معدن، فبعضها يُصنع من كلمات. ولهذا لم يكن الخبر الكاذب الذي بثته وكالة «رويترز» مؤخراً عن سماع دوي انفجارات في دبي مجرد خطأ مهني عابر، بل رصاصة إعلامية أطلقتها مؤسسة يُفترض أنها من أكثر المؤسسات التزاماً بمعايير التحقق والتدقيق. والأخطر أن ذلك جاء في توقيت بالغ الحساسية، بينما كانت المنطقة تعيش أجواء حرب، وكانت الإمارات هدفاً لحملة تضليل ممنهجة سعت إلى النيل من استقرارها وصورتها الدولية، حملة تغذيها الأحقاد على نجاحات الإمارات.
قدّمت الوكالة «العالمية» اعتذارها وسحبت الخبر، لكن السؤال يبقى: هل يكفي الاعتذار عندما يتعلق الأمر بسمعة دولة، وثقة المستثمرين، وطمأنينة ملايين البشر؟ في عالم الإعلام، لا يموت الخبر الكاذب بمجرد حذفه، لأنه يكون قد أدى مهمته، وانتشر أسرع من الحقيقة.
لقد أثبتت دبي، بسرعة استجابة مكتبها الإعلامي، أن المعلومة الصحيحة قادرة على هزيمة الشائعة، لكن الواقعة كشفت أيضاً أن معارك هذا العصر لم تَعُد تُخاض بالصواريخ وحدها، بل بالسرديات والأخبار، وبمن يملك القدرة على تشكيل وعي الناس.
ولم تكن السقطة المهنية التي ارتكبتها الوكالة بنشر هذا الخبر الكاذب مجرد خطأ صحفي عابر، بل مثالاً صارخاً على خطورة الإعلام عندما يتخلى عن أبسط قواعد التحقق، ويتحول إلى أداة تؤثّر في الأمن، والاقتصاد، وسمعة الدول. ومن هنا كانت المطالبات بإجراءات رادعة بحقها وأمثالها.
الإمارات لا تخوض اليوم معركة الدفاع عن حدودها فحسب، بل عن روايتها أيضاً. والرواية الصادقة أصبحت أحد أهم عناصر القوة الوطنية، تماماً كما هي القوة الاقتصادية أو العسكرية.
وتؤكد هذه الواقعة أن الإعلام لم يَعُد مجرد ناقل للأحداث، وإنما أصبح جزءاً من معادلات القوة والنفوذ، وساحة رئيسة في حروب السرديات التي لا تقل تأثيراً عن المواجهات العسكرية. ومن هنا، فإن حماية الحقيقة ليست مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل هي جزء من حماية الأمن الوطني وصون الثقة الدولية.
وفي زمن تتنافس فيه الدول على كسب العقول قبل كسب المواقف، تصبح الكلمة مسؤولية وطنية، والخبر أمانة، والرواية أداة من أدوات القوة الناعمة. ولهذا، فإن معركة اليوم ليست فقط ضد الأخبار الكاذبة، بل من أجل ترسيخ رواية صادقة تعكس حقيقة الإمارات، دولةً جعلت من التنمية والسلام والدبلوماسية نهجاً ثابتاً، ومن المصداقية رصيداً يصعب النيل منه.
قد تُصحَّح الأخبار الكاذبة، لكن أثرها لا يُمحى بسهولة، لذلك تبقى المصداقية أثمن ما تملكه المؤسسات الإعلامية. حفظ الله الإمارات، وأدام عزّها في ظل بو خالد.



إقرأ المزيد