الصين ومستقبل الذكاء الاصطناعي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تدور معركة حامية حالياً على مستقبل الذكاء الاصطناعي من ضفاف نهر هوانغبو في شنغهاي. وللمرة الأولى منذ تأسيسها قبل تسع سنوات، افتتح الرئيس شي جين بينغ قمة الذكاء الاصطناعي الرائدة في الصين، في إشارة واضحة إلى أن هذه المنافسة التقنية لا تقتصر على تحسين كفاءة البرمجة فحسب، بل تشمل أيضاً تعزيز النفوذ الجيوسياسي. وفي كلمته أمام قادة الصناعة ومجموعة متنامية من القادة العالميين الحاضرين، عرض شي رؤيةَ الصين التي توضح أن بكين لا تكتفي بأن تكون مجرد لاعب في الثورة الصناعية القادمة، بل تسعى إلى قيادتها.
ويأتي مؤتمرُ قمة الذكاء الاصطناعي العالمي في وقت تقلب فيه الشركاتُ الصينية موازين السباق التكنولوجي العالمي من خلال هذه الاستراتيجية. فعشية انعقاد القمة، أطلقت شركة «مونشوت» التي تتخذ من بكين مقراً لها، نموذج «كيمي كيه 3»، وهو نموذج ضخم ذي أوزان مفتوحة، ويقول مَن أجروا عليه اختبارات معيارية مبكرة إنه يضاهي أفضل النماذج المتطورة التي تقدمها شركات وادي السيليكون.
وجدد شي دعوته إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي شاملاً للجميع، مرحباً بدول الجنوب العالمي الراغبة في مواكبة التطور، كما حث المشاركين على إبقاء التكنولوجيا تحت سيطرة البشر، مُجدداً التزامَ الصين بالتنمية المفتوحة، قائلاً: «علينا اغتنام هذه الفرصة التاريخية النادرة لتشجيع المصادر المفتوحة والانفتاح والتعاون».
 وجاءت هذه التصريحات لتنحاز بوضوح إلى أحد طرفي الجدل حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وتحديد ما إذا كان تطور هذه التكنولوجيا سيظل في أيدي عدد قليل من المختبرات النخبوية، أم سيكون في متناول الجميع. وقد راهنت الشركات الأميركية على الخيار الأول، وهو ما يبدو منطقياً من منظور الأعمال، بينما تحث الصين بقية العالم على تبني الخيار الثاني.
وقد واجهت جهود تطوير ذكاء اصطناعي، تمكن مشاركته بحرية، معارضة مشروعة بشأن السلامة، حيث يرى بعض الخبراء في المجال أن صنع ما يُعادل قنبلة نووية رقمياً لا ينبغي أن يكون متاحاً للجميع. وسيكون اختباراً حقيقياً لقدرة بكين على التعامل مع مخاطر الذكاء الاصطناعي كجزء من استراتيجيتها للحوكمة، واستفادتها من المجتمع المفتوح لتعزيز الضوابط بدلاً من خرقها.
 وعشية انعقاد القمة، أطلقت شركة «مونشوت» في بكين، برنامج «كيمي كي 3»، وذلك بعد أسابيع قليلة من إطلاق شركة «زيبو»، التي تُعد من «التنانين الصغيرة» في قطاع التكنولوجيا الصيني، نموذج «جي إل إم 5.2»، الذي وُصف بأنه أول نموذج صيني يضاهي النماذج الأميركية المنافسة، بل ويتفوق عليها «دون أي تنازلات».  ويُظهر التسارع الكبير في إصدارات كل من الشركات الناشئة وشركات التكنولوجيا الصينية العملاقة، خلال العام الماضي، أن نجاح «ديب سيك» لم يكن وليد الصدفة. ويُعزز هذا النجاح طموح الصين بوصفها الدولة الوحيدة في العالم التي تُنافس وادي السيليكون بقوة في حقبة ما بعد «تشات جي بي تي». وخلال الأشهر الأخيرة، حظي الذكاء الاصطناعي الصيني زهيد التكلفة باهتمام واسع، لقدرته على تقويض نماذج أعمال عمالقة التكنولوجيا الأميركية. لكن التوجه نحو تسهيل وإتاحة التكنولوجيا يُشكل ضغطاً على الشركات المحلية، فمع تخلي الشركات عن تقنياتها مجاناً، يصعب عليها التميز أو إيجاد مصادر دخل حقيقية.
 وهناك خطر من أن تسلك تلك الشركات مجال صناعة السيارات الكهربائية، فتدخل في منافسة لا تنتهي لخفض الأسعار. ومع توجه مزيد من الشركات الناشئة إلى طرح أسهمها للاكتتاب العام، وسط تقارير عن قرب طرح «ديب سيك» للاكتتاب، يصعب على المستثمرين تجاهل الأمر. لكن التحذير الأهم يطال شركات تصميم النماذج الأميركية مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، فالبدائل الصينية المتميزة تُضعف حصتها التنافسية وتتحدى التقييمات الضخمة قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام.
وتنظر القيادة الصينية إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه التكنولوجيا العامة المقبلة، إذ تشبهه بالمحرك البخاري والكهرباء. ويُظهر التاريخ أن القوة الجيوسياسية لا يحسمها من يبتكر الاختراق التكنولوجي أولاً، بل مَن ينجح في نشره على أوسع نطاق عبر الاقتصاد.
 وإذا كانت ملامح مستقبل الذكاء الاصطناعي تُرسم في شنغهاي هذا الأسبوع، حيث تحولت رؤية الصين إلى واقع، فستتجاوز العواقب مسألةَ الحصة السوقية بكثير، خاصة حين تصبح النماذج الصينية الخيار الافتراضي الأكثر يسراً وفاعلية. 


*كاتبة متخصصة في أخبار التكنولوجيا 
 ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينتديكيشن»



إقرأ المزيد