جريدة الإتحاد - 7/21/2026 11:38:03 PM - GMT (+4 )
تسعى الهند إلى بناء منظومة أمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بهدف تعزيز حضورها في وقت يشهد فيه العالم حالةً من عدم الاستقرار. وتشير الزيارات الخارجية الأخيرة لرئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، بالتزامن مع الزيارات الرسمية التي تستقبلها البلاد، مثل زيارة رئيس الوزراء الياباني، إلى نمط متزايد تسعى فيه الهند إلى تعزيز الصفقات الاقتصادية والدفاعية، وأيضاً توسيع الشراكات في مجالات ناشئة مثل التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية.
وتُشكِّل جميع تلك المجالات صورةً لسعي الهند إلى تحقيق أهداف متعدّدة في آن واحد، حيث يكمن الرابط المشترك بين تلك الجهود في تعزيز تواجد الهند وبناء روابط تخدم مصالحها في عالم يزداد اضطراباً مع ظهور الذكاء الاصطناعي وتزايد التنافس بين القوى العظمى. وتسعى الهند في المقام الأول إلى إنشاء سلاسل إمداد في مجالات كالمعادن الحيوية، التي ستصبح ذات أهمية بالغة لكل الدول في المستقبل. وفي الوقت الراهن، تسيطر الصين بقوة على جميع المجالات تقريباً، من التعدين إلى التصنيع، ما يعني قدرتها على قطع الإمدادات متى شاءت لإحداث اضطرابات واسعة النطاق في سلاسل الإمداد العالمية. ورغم أن الهُدنة التجارية بين الولايات المتحدة والصين علَّقت مؤقتاً أشدَّ القيود صرامة، فإن حظر التصدير والحصص المفروضة على المعادن الأساسية في مجالات التكنولوجيا والدفاع وصناعة البطاريات لا تزال تُمثل مصدر قلق كبيراً للاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، عزّزت الهند شراكاتِها مع دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ لبناء سلاسل توريد بديلة. فالمعادن الحيوية تُعد عنصراً أساسياً للاقتصاد الهندي المتنامي. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تُعد معادن النحاس والسيليكون والألومنيوم والعناصر الأرضية النادرة (مثل النيوديميوم)، ضرورية لتصنيع الألواح الشمسية، وبناء توربينات الرياح، وتمديد شبكات الكهرباء الحديثة.
ومن جهة أخرى، يُشكِّل الليثيوم والنيكل والكوبالت والجرافيت المكونات الكيميائية الأساسية لبطاريات الليثيوم أيون القابلة لإعادة الشحن، والتي تُستخدم لتشغيل المركبات الكهربائية وتخزين الطاقة المتجددة. وتُنتج أستراليا ما يقارب نصف إنتاج الليثيوم العالمي، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي من الكوبالت ورابع أكبر احتياطي من العناصر الأرضية النادرة.
وتتكامل هذه الوفرة مع طموحات الهند في أن تصبح مركزاً عالمياً لتصنيع السيارات الكهربائية وتحقيق أهدافها المتمثلة في الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية. وخلال زيارة مودي لأستراليا، لم يقتصر الأمر على اتفاق البلدين رسمياً على تصدير اليورانيوم إلى الهند، لأغراض الطاقة النووية المدنية السلمية، بل أطلقا أيضاً مبادراتٍ جديدةً لتسريع سلاسل إمداد المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. والهدف هو توجيه المواد الخام الأسترالية، مثل الليثيوم والكوبالت، مباشرةً إلى صناعات متنامية في الهند مثل قطاع السيارات الكهربائية وأشباه الموصّلات ووحدات تصنيع التكنولوجيا الدفاعية.
وبالمثل، خلال زيارة مودي لإندونيسيا، وقّع البلدان مذكرةَ تفاهم تاريخية لتعزيز سلاسل إمداد المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وشكّلت تلك الاتفاقية إحدى الركائز الأساسية لـ 14 اتفاقية استراتيجية أُبرمت بين مودي والرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو. ويهدف هذا التعاون تحديداً إلى بناء سلاسل إمداد متنوعة ومرنة، تُعتبر ضروريةً لقطاعات السيارات الكهربائية، وتصنيع البطاريات، وأشباه الموصّلات، والإلكترونيات المتقدمة. وخلال القمة السنوية الـ 16 بين الهند واليابان، التي عُقدت في نيودلهي مطلع الشهر الجاري، وقَّع رئيسا وزراء البلدين، مودي وتاكايتشي، 16 اتفاقيةً رئيسيةً وَضعت أمنَ المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة في صدارة الأولويات. وستقوم اليابان قريباً بضخ تكنولوجيا المعالجة ورأس المال مباشرة في الهند.
كما أطلق الحوار الأمني الرباعي «كواد»، الذي يضم الهند وأستراليا واليابان والولايات المتحدة، إطارَ مبادرة المعادن الحيوية خلال اجتماع وزراء خارجية الرباعي في نيودلهي. وإلى جانب المعادن الحيوية، تسعى الهند أيضاً إلى تعزيز التعاون البحري والدفاعي، حيث تعمل على تعميق شراكتها البحرية والدفاعية والأمنية مع دول منطقة المحيطين الهندي والهادئ، استجابةً لتزايد التنافس بين القوى العظمى. وخلال زيارة رئيسة وزراء اليابان، ساناي تاكايتشي، إلى نيودلهي، وقّع البلدان مشروعاً ثنائياً للتطوير الدفاعي المشترك، فيما يُعد أولَ اتفاقية من نوعها بين البلدين، والتي تنقل العلاقات الهندية اليابانية من مجرد مناورات عسكرية مشتركة وحوار دفاعي إلى الإنتاج المشترك للصناعات الدفاعية.
وأسفرت زيارة مودي إلى إندونيسيا عن توقيع عقد بقيمة 630 مليون دولار لشراء صواريخ براهموس الأسرع من الصوت من الهند، وشراء منظومة صواريخ «أسترا» المحلية الصنع. ويشير كل ذلك إلى تنامي اهتمام الهند بإنشاء بنية أمنية تهدف إلى تعزيز موقعها في عالم يسوده الاضطراب. وتدخل الهند حالياً مرحلة من الدبلوماسية القائمة على تعدُّد التحالفات، ما يعني أنها ستُعزِّز علاقاتها مع العديد من دول العالم.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي
إقرأ المزيد


