جريدة الإتحاد - 7/25/2026 12:36:31 AM - GMT (+4 )
كان «مونديال 2026» لكرة القدم من أنجح بطولات كأس العالم من جميع النواحي تقريباً، مالياً ورياضياً وتنافسياً، وربما الأهم من ذلك كله اجتماعياً، وتحولت إلى احتفال دام خمسة أسابيع في شوارع أميركا. وبالنسبة لي، كان كأس العالم متعة خالصة، بل وأكثر من ذلك، فقد أعاد لي ثقتي بالناس، وأشعر بحزن شديد لانتهاء البطولة.
وتظل بطولة كأس العالم، رغم ما شابها من مناورات سياسية وتجاوزات وممارسات الفساد الفاضح التي ارتكبها الفيفا، أعظم حدث رياضي في العالم، وكان من الرائع استضافتها في أميركا فقد أظهرتها البطولة في أفضل حالاتها، إذ أثبت الأميركيون أنهم أكثر ترحيباً بالزوّار مما أوحت به سياسات إدارة ترامب، ويعود جزء من ذلك إلى براعتها في مجال الخدمات اللوجستية.
وبينما سارعت الدول المضيفة السابقة لبناء ملاعب تتسع لجميع المشجعين المتحمسين، وغالباً ما كانت العواقب وخيمة ومأساوية، كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل ملاعب في مناطق تعشق كرة القدم، ببنية تحتية قادرة على استيعاب العدد الضخم دون عناء. ورغم أن أسعار التذاكر كانت باهظة، حضرت الجماهير كل المباريات، واتضح أنه يمكن ملء ملعب يتسع لـ75 ألف متفرج في مباراة بين جمهورية التشيك وجنوب أفريقيا. وسارت البطولة بسلاسة، دون أي مشاكل في السيطرة على الحشود، أو خلافات عامة، أو صعوبات لوجستية. كما توفّرت فنادق كثيرة، وخيارات نقل متعددة، وسادت أجواء من الود بين الجميع.
وعندما اختار إنفانتينو والفيفا الولايات المتحدة لاستضافة البطولة، كان ما يدور في أذهانهم أنها دولة شاسعة بمبانيها الشاهقة ومدنها الكبيرة. ورغم جميع سلبياتها، لا تزال القوة الأميركية ذات قيمة كبيرة.
لكن البطولة كانت أيضاً بمثابة تذكير بأفضل ما تمثله أميركا عندما تكون في أفضل حالاتها. وقبل انطلاق البطولة، كثر الحديث عن عدم كرم الضيافة، لكن في نوفمبر، أعربت وزيرة الأمن الداخلي آنذاك كريستي نويم عن أملها بأن «يأتي المشجعون ويستمتعوا ببلدنا، ثم يعودوا إلى ديارهم. ويعودوا في الوقت المناسب». وتجلّت متعة البطولة في كرم الضيافة الذي أبداه الأميركيون، ليس فقط للزوّار الذين جاؤوا لمشاهدة المباريات، بل أيضاً لجميع الأشخاص والآراء المختلفة التي كشفت عنها البطولة.
وأصبحت تجمعات الجمهور لمشاهدة المباريات، بما حملته من احتفاء بالتنوع والمجتمع والدفء الإنساني، مشهداً معتاداً في مدن البلاد. بل كان بإمكانك مشاهدة المغرب وسط مشجعيه في مطعم في كوينز، أو البوسنة مع جالية المغتربين في سانت لويس، أو الكونغو بين اللاجئين السابقين في سيلفر سبرينغ بولاية ماريلاند، أو حتى مشاهدة أي منتخب تريده، فالمباريات كانت تُعرض في كل مكان.
كما أبرزت البطولة جميع جوانب أميركا الساحرة والفريدة لأولئك الذين ربما لم يروها إلا من الخارج، أي من خلال ترامب خلال العقد الماضي. وتخيل دهشة الهندوراسيين وهم يشاهدون ملعب كرة قدم جامعي يتسع لـ100 ألف متفرج، أو دهشة السائح الأوروبي من تنوع منتجات المتاجر، أو البريطاني الذي يخوض تجربة الشواء الأميركية الحقيقية للمرة الأولى. كما ذكرت البطولة الملايين بكم الأشياء التي تستحق الحب في أميركا، وبأنها لا تظهر عندما ننغلق داخل دوائرنا المنعزلة، بل عندما نتحد معاً، وهو ما كان أكثر إلهاماً، بل وأكثر وطنية، من أي شيء قدمته مبادرة «الحرية 250».
والأفضل أننا قد نحظى بفرصة تكرار التجربة. فقد قال ترامب لإنفانتينو في ختام البطولة إنه يريد عودة كأس العالم إلى أميركا خلال حياته، ومن المرجح أن تستضيف الولايات المتحدة البطولة مجددًا في أقرب موعد متاح عام 2038، حين يكون ترامب في ال92 من عمره، والولايات المتحدة هي المرشحة الأوفر حظاً بالفعل للاختيار.فهذه البطولة أظهرت ما تجيده أميركا: الاستضافة والترحيب والاحتفال وجمع الناس معاً، وهذه هي هويتنا الحقيقية. إنها الرياضة في أبهى صورها، وتلك هي أميركا في أبهى صورها. لقد حسّنت بطولة كأس العالم شعوري بأميركا وكرة القدم والعالم، بل بالمستقبل أيضاً.
*كاتب متخصص في شؤون الرياضة ومؤلف كتاب «رحلة لويد ماكنيل الأخيرة».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


