جريدة الإتحاد - 7/26/2026 10:11:00 PM - GMT (+4 )
هناك فرق كبير بين الطريقة التي ترى بها الدول نفسها، والطريقة التي يراها بها خصومها. وفي أوقات السلم قد لا يبدو هذا الفرق مهماً، أما في الحروب، فهو الفارق بين من يصنع المبادرة ومن يكتفي بردة الفعل.ولعل أخطر ما تكشفه الحروب ليس حجم القوة العسكرية، ولا عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة، وإنما أخطاء تصوراتنا نحن. فالحروب لا تختبر قدرات الجيوش فحسب، بل تختبر الأفكار التي بُنيت عليها السياسات، وتكشف أيها كان أقرب إلى الواقع وأيها كان أقرب إلى الأمنيات.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تستحق الحرب الأخيرة أن تُقرأ بعيداً عن تفاصيلها العسكرية، لأنها كشفت حقيقة استراتيجية أعمق من نتائج المعارك نفسها. فقد تعاملت القوى المنخرطة فيها مع الخليج بوصفه مسرحاً عملياتياً واحداً، تتداخل فيه الممرات البحرية، والمجالات الجوية، ومنشآت الطاقة، والبنية التحتية، وسلاسل الإمداد. أما الخطاب السياسي داخل الخليج، فما زال في كثير من الأحيان ينظر إلى الأمن من خلال حدود كل دولة على حدة، وكأن التهديد يتوقف عند نقاط العبور ولا يعبر البحر أو السماء.
وهنا تكمن المفارقة.
فالخصوم لا يرسمون خططهم وفق حدودنا السياسية، بل وفق الجغرافيا التي تجمعنا. وحركة التجارة لا تتوقف عند جوازات السفر، وأمن الطاقة لا ينقسم بين دولة وأخرى، والدفاع عن الملاحة في مضيق هرمز لا يمكن تجزئته، كما أن أي خلل أمني في جزء من الخليج سرعان ما تمتد آثاره إلى بقية أجزائه. هذه ليست وجهة نظر، بل طبيعة المكان نفسه.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى تعاون خليجي أكبر؟ فهذا سؤال تجاوزته الأحداث. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: لماذا ينظر الآخرون إلى الخليج بوصفه وحدة استراتيجية، بينما لا يزال كثير من نقاشاتنا الأمنية ينطلق من حدود الدولة الوطنية وحدها؟
قد تختلف دول الخليج في علاقاتها الإقليمية، وفي أدوات إدارة الأزمات، وفي أولويات سياستها الخارجية، وهذا حق سيادي لا ينازعها فيه أحد. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين اختلاف وسائل إدارة التهديد، واختلاف الاعتراف بوجود التهديد نفسه. فمن الطبيعي أن تتعدد أساليب العلاج، أما إن اختلف الأطباء في تشخيص المرض، فلن تنجح أي خطة للعلاج، مهما بلغت دقتها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس إلغاء السيادة الوطنية، ولا إنشاء مؤسسات تتجاوز قرارات الدول، وإنما بناء فهم أمني مشترك. فالقرار السيادي يجب أن يبقى وطنياً، لكن إدراك التهديد، وتقدير المخاطر، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وربط أنظمة الإنذار المبكر، والتكامل بين الدفاعات الجوية والبحرية، يجب أن يصبح عملاً جماعياً، لأن الخصم لا يفرّق بين دولة وأخرى عندما يخطط، ولا ينتظر حتى تتوحد مواقفنا قبل أن يتحرك.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الجغرافيا أكثر ثباتاً من السياسة. فالتحالفات تتبدل، والظروف تتغير، والأزمات تأتي وتمضي، لكن الخليج بقي وسيبقى منظومة واحدة، شاءت السياسة ذلك أم لم تشأ. وربما لهذا السبب، لم يؤسس قادة الخليج مجلس التعاون على أساس رد فعل لحدث عابر، بل على قراءة استراتيجية لطبيعة هذه المنطقة، ولحقيقة أن أمنها لا يمكن فصله إلى ملفات مستقلة.
واليوم، وبعد كل ما شهدته المنطقة، لا تبدو تلك الرؤية أقل صحة مما كانت عليه عند تأسيس المجلس، بل ربما أصبحت أكثر وضوحاً. فالسياسة قد تؤجل الاعتراف ببعض الحقائق، لكنها لا تستطيع إلغاءها، والجغرافيا لا تغير قوانينها إرضاءً لاختلافاتنا.
ولهذا، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى بعد أن تهدأ الأزمات ليس من انتصر في معركة، ولا من أطلق الصاروخ الأول أو الأخير، بل إن، أمن الخليج لا يُقاس بقدرة كل دولة على حماية نفسها منفردة، وإنما بقدرة المنظومة الخليجية بأكملها على أن ترى التهديد كما يراه خصومها، وأن تستعد له قبل أن يفرض هو قواعده عليها.
وربما لهذا السبب، أثبت الزمن مرةً أخرى أن بعض الأفكار لا تزداد قيمة إلا عندما تختبرها الأزمات، وأن بعض الرؤى لا يُنصفها إلا التاريخ.
لا يصح إلا الصحيح.
*لواء ركن طيار متقاعد.
إقرأ المزيد


