مناسباتنا الوطنية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ربما يلحظ البعض اهتمام القيادة في السنوات القليلة الماضية وتعظيمها الاحتفال بالمناسبات الوطنية، ضمن سلسلة مبادرات أطلقتها لتوثيق مواقع وطنية وأيام تاريخية شهدتها مسيرة تأسيس الاتحاد، لنستلهم منها الدروس والعبر، وتترسّخ روح الولاء والانتماء الوطني خاصة لدى الأجيال الناشئة التي بعدت بها المسافة الزمنية عن تلك الأحداث والمناسبات.

الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل واصلت القيادة برؤية ثاقبة وحكمة بالغة التنقيب في مسيرة الوطن لالتقاط بعض لحظاته الفارقة وأيامه الحاسمة للاحتفاء بها والتأكيد على أهمية الأحداث التي وقعت فيها، ودورها في ما آلت إليه دولة الاتحاد اليوم من قوة ومنعة وتقدم وازدهار. وتعزيزاً للهوية الوطنية، لم تعُد الإمارات تكتفي بيوم الثاني من ديسمبر حين أعلن الآباء المؤسسون قيام الدولة، حيث أعادت القيادة التذكير بأيام مجيدة أخرى سبقت ذلك اليوم، وكان لها دورها الحاسم في تعضيد روح الأخوة وتوثيق عرى الاتحاد الوليد آنذاك، مثل يوم «عهد الاتحاد»، كأحد الأيام التي عززت معاني الولاء والوفاء لهذا الوطن لدى جميع المواطنين والمقيمين على أرضه، حيث ينعمون اليوم في خيره ويرفلون في أجواء أمنه وأمانه.

ولا أجد تعبيراً عن قيمة وأهمية ذلك اليوم، أصدق من الكلمات التي وصفه بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في تدوينة له عبر حسابه الرسمي بمنصة «إكس» قال فيها: (إن توقيع بيان الاتحاد ودستور الدولة في 18 يوليو عام 1971 يُعد علامة فارقة في تاريخ دولة الإمارات التي تمضي اليوم بثقة في صون اتحادها وتعزيز منجزاته وتأصيل القيم والمبادئ التي قام عليها لتبقى راسخة في وجدان أبناء الوطن وملهمة للأجيال القادمة).

ويسجل المؤرخون الذين عاصروا وقائع ذلك اليوم المجيد دوره المفصلي في إرساء دعائم الدولة، ففيه وقع الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وإخوانه الحكام «وثيقة الاتحاد» ودستور الإمارات، وإعلان بيان اتحادها واسمها، ووُضع الأساس الصلب لقيام الدولة رسمياً، ليصبح هذا الاجتماع التاريخي لبنة أساسية وركيزة جوهرية وإحدى الخطوات الرئيسية التي مهّدت الطريق لما تم بعده. ما جرى في يوم «عهد الاتحاد» كشف بوضوح عزيمة الآباء المؤسسين وتوحد رؤيتهم لبناء دولة جعلت من الإنسان محور التنمية، ولذا فإن الاحتفاء بالمناسبة لا يوثّق لحظةً تاريخية تروي ملاحم التأسيس فحسب، بل وترسم ملامح المستقبل، وها نحن بعد مرور أكثر من 5 عقود نرى امتداد أثره عبر الأجيال، ومازلنا ندرس بفخر كيف نجح بامتياز في إلهام العالم باعتباره نموذجاً للوحدة والإنجاز.

إن اهتمام القيادة وحرصها على أن نحتفل بمثل هذه المناسبات الوطنية ليس لمجرد استذكار تاريخ مضى، وإنما لإيمانها بأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها الجماعية هي الأقدر على صناعة مستقبلها، فالمناسبات الوطنية تمثّل محطات حاسمة في تاريخ الدول، تستحضر فيها الشعوب لحظات التأسيس وتستذكر الصعوبات والعراقيل، وتجدد فيها العهد مع القيم التي قامت عليها أوطانها. وفضلاً عما يحمله الاحتفال من رسائل تؤكد أن الوطن ليس حدوداً جغرافية فحسب، بل ذاكرة مشتركة، ومسؤولية جماعية، ومستقبل يصنعه أبناؤه بإخلاصهم وعملهم، يمكن لنا أن نستنتج دون عناء، بأن فلسفة القيادة في الاحتفال بالمناسبات الوطنية هو احتفاء بالقيم قبل الأشخاص، وبالمنجزات قبل المظاهر، وبالهوية قبل الشعارات.

ولأننا دولة تعتز بمسيرة الآباء وتثمن جهدهم، تسعى القيادة إلى ترسيخ قيم الوفاء في أذهان أجيال المستقبل، بالتأكيد على أن ما نعيشه اليوم ونطمح إليه في المستقبل إنما بفضل تضحيات الأمس وما قدمه الأوائل، وأن جوهر ما أنجزوه شكل انطلاقة النهضة الحقيقية لمسيرة تاريخية سوف تستمر وتتواصل حتى تتحقق أهدافها بأن نكون أفضل دولة في العالم، والأكثر تقدماً بحلول «مئوية الإمارات 2071». 

هذا اليوم يجسّد قصة وطن آمن بأن الاتحاد ليس مجرد محطة تاريخية، بل عهد متجدد بالعمل والعطاء والمسؤولية، وقد أثبتت دولة الإمارات أن الإنجازات الكبرى تتحقق عندما تتكامل الرؤية مع الإرادة. إن المناسبات الوطنية ليست مجرد تواريخ على صفحات التقويم، ولا احتفالات موسمية تنقضي بانتهاء مراسمها، وإنما تبرز بوصفها محطات تحفظ الذاكرة الجماعية من النسيان، وتتوقف عندها الشعوب لتتأمل رحلتها، وتستحضر فيها لحظات يتعانق فيها الماضي والحاضر، ويصافح فيها التاريخ المستقبل. ببساطة، تولي القيادة اهتماماً كبيراً بمثل هذه المناسبات، لأنها تدعم رؤيتها وتعزز مشروعها في تكوين وعي المواطنين وتشكيل وجدانهم وربط أحلامهم بمستقبل الوطن الذي ينتمون إليه ويسكن أرواحهم.
 



إقرأ المزيد