جريدة الإتحاد - 7/28/2026 12:17:02 AM - GMT (+4 )
الصراع الأميركي- الإيراني بات بين الحسم المستحيل والاستنزاف الممتد، فلم تعد المواجهة الأميركية-الإيرانية حرباً يمكن فهمها بمنطق الضربة والرد، بل أصبحت اختباراً لإرادات ست قوى تتحرك فوق رقعة واحدة، لكل منها هدف مختلف وحدّ أقصى لا تريد تجاوزه. الولايات المتحدة تسعى إلى منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، وحماية قواتها وحلفائها، وضمان حرية الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تريد تجنب احتلال بري يعيد إنتاج سيناريو العراق وأفغانستان.
ومن جهة أخرى، كل التحركات الأميركية الميدانية وتمركز القوات والدعم المطلوب ورفع مستوى الجاهزية للدرجة القصوى في المستشفيات العسكرية في القواعد الأميركية في أوروبا وغيرها من الدول، تؤكد على أنه سيكون هناك تدخل عسكري بري محدود حتمي من قوات النخبة للحصول على اليورانيوم المخصب والقيام بعمليات نوعية تشل مراكز القوى لدى الخصم، أما إسرائيل فترى أن إضعاف البنية الصاروخية والنووية الإيرانية فرصة تاريخية، بينما تعتبر طهران أن بقاء النظام واستمرار قدرته على الرد أهم من الاحتفاظ بكل منشأة أو قاعدة، دون أن نتجاهل أن يكون للحرس الثوري تواجد من خلال خلايا نائمة على أعلى مستوى من التدريب ومتغلغلة منذ 30 سنة في المجتمع في أميركا وأوروبا هو احتمال لا يستهان به، وعطفاً على الطريقة التي يعمل بها الحرس الثوري أراه أمراً مؤكداً، وخاصة من خلال تجنيد عناصر من الجالية الإيرانية العريضة في أميركا والقارة الأوروبية. التحول الأهم هو أن واشنطن انتقلت من الردع البعيد إلى إدارة حملة مستمرة. فقد أعلنت البنتاجون أن القوات الأميركية في نطاق القيادة المركزية شاركت في حملة قصف مكثفة ضمن عملية «الغضب الملحمي»، كما تنفّذ السفن والطائرات الأميركية مهاماً لحماية الملاحة وفرض حصار بحري ودعم مرور السفن عبر مضيق هرمز. وطلب البيت الأبيض في 24 يونيو 2026 تمويلاً تكميلياً قدره 87.6 مليار دولار، معظمه مرتبط بمتطلبات الحرب والأمن القومي.
هذه ليست مؤشرات عملية عقابية قصيرة، بل بنية مالية وعملياتية لحرب قد تستمر، وتتطلب تعويض الذخائر، وحماية القواعد، وتدوير القوات، وإدارة الفوضى الخلاقة في تقسيم المنطقة، وإبقاء قوة جوية وبحرية قادرة على الهجوم والدفاع في آنٍ واحد. لكن المشكلة الاستراتيجية لواشنطن أن التفوق الساحق في الجو والبحر لا يساوي حَسماً سياسياً. إيران دولة واسعة، ذات عمق جغرافي ومؤسسات أمنية وشبكات صاروخية موزعة. عقيدتها لا تشترط إسقاط حاملات الطائرات أو هزيمة القوات الأميركية، يكفيها إبقاء الخطر قائماً، وتهديد القواعد والسفن، واستنزاف صواريخ الاعتراض، ورفع الكّلفة السياسية داخل الولايات المتحدة ولدول المنطقة والدول الأوروبية الحليفة لأميركا.
وكلما طال النزاع، انتقلت المبادرة تدريجياً من سؤال «من يملك القوة الأكبر؟» إلى سؤال «من يحتمل الكلفة والوقت أكثر؟» دون أن ننسى أن ترامب في سباق مع الزمن فيما يخص الانتخابات، ولا بد من إنجاز المهمة في الحرب مع إيران قبل نوفمبر 2026. إسرائيل، من جانبها، تدفع نحو استمرار الضغط حتى لا تتحول هدنة مؤقتة إلى فرصة إيرانية لإعادة البناء. هدفها العملياتي هو تفكيك القدرة على إنتاج الصواريخ، وإضعاف القيادة والسيطرة، وتعطيل البرنامج النووي، لكن هدفها الأبعد هو تغيير البيئة الاستراتيجية التي سمحت لإيران ببناء شبكة تهديد إقليمية. غير أن التوسع الإسرائيلي يخلق مفارقة خطرة: كل ضربة ناجحة عسكرياً قد توسع جغرافية الرد، وتربط جبهات الخليج والعراق وسوريا والبحر الأحمر وشرق المتوسط في مسرح واحد.
روسيا والصين لا تحتاجان إلى دخول الحرب حتى تستفيدا منها. موسكو ترى أن انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يخفف الضغط عنها في أوروبا، وبكين ترى أن استنزاف المخزونات والاهتمام الأميركيَّين يقلّل قدرة واشنطن على التركيز في المحيطين الهندي والهادئ. دعمهما المرجح سيكون سياسياً واقتصادياً وتقنياً، وربما استخباراتياً، لكن دون عبور العتبة التي تمنح واشنطن مبرراً لمواجهة مباشرة. هدفهما ليس إنقاذ كل قدرة إيرانية، بل منع انتصار أميركي سريع ومنخفض الكلفة. تركيا هي القوة الأكثر حساسية للتمدد. فهي عضو في الناتو، وجارة لإيران، وتخشى في الوقت نفسه الفوضى الحدودية، وموجات النزوح، وصعود الحركات الكردية المسلحة. وقد أكد حلف الناتو في قمة أنقرة أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً وأن حرية الملاحة في هرمز يجب أن تُحترم، لكنه أوضح أن إيران تقع خارج نطاق أراضي الحلف، وأن الدول الأعضاء تتعامل مع الملف بصورة فردية.
لذلك ستحاول أنقرة البقاء وسيطاً، لكن اضطراب المناطق الكردية الإيرانية أو انتقال الصراع إلى حدودها قد يدفعها إلى تدخل أمني وعسكري محدود، لا نصرة لطرف، بل لمنع تشكل واقع كردي جديد يهدد أمنها، والنتيجة أن الحرب مرشحة للتمدد أفقياً عبر الجغرافيا، وعمودياً عبر نوعية الأهداف، وزمنياً عبر دورات القصف وإعادة البناء.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
إقرأ المزيد


