لِمَ تختلف لحى الشعوب؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يقول المثل العامي قديماً عندنا: «عز الرجال بلحاها» وتذكرت الآن مثلاً قديماً كنا نقوله، ولا أدري ما صلته بالمثل السابق، «سَمّ الناس بساميها عن لا تأكلت بثاميها، وعزّ الرجال بلحاها عن لا تطاولك بعصاها»، ومثل آخر نقوله: «عليك بالأوليّة لو فيها نتف اللحى»، والرجل عندنا كان يمسح على لحيته دليل صدقه ووفاءً بوعده.
الشاهد أن اللحية والشارب مثلا في حياة الرجال دوراً كبيراً، وحظيت اللحية بالأهمية الكبرى على مر العصور والأزمان، فقد كانت ترمز لأمور دينية وسياسية وفكرية أو تخص فئة، أو تمثل موقفاً ضد الآخر، أو تميزاً عن الآخر، في مختلف الحضارات، ولطالما أعتبرها الرجال جزءاً من هيبتهم، وإضفاء الجلال والاحترام عليهم.
والأصل فيها أنها من الفطرة في التمييز بين الرجال والنساء بما وهبتهم الطبيعة إياها، ثم تأخر ابتكار الإنسان لأدوات الحلاقة، وشح المياه، وغيرها من الأمور، هي التي فرضت على اللحية شكلها الطبيعي، ومع التطور والرقي ظهرت أشكال كثيرة للحية، وكذلك الشنب، لكن اللحية ظلت طوال فترات الحضارات المختلفة رمزاً للرجولة.
معظم فلاسفة اليونان وخاصة سقراط، كانوا يتركون اللحية على طبيعتها، على الرغم من أن القياصرة كانوا يحلقونها، وكان ديدن معظم الفلاسفة اللاحقين أيضاً، وكذلك الشعراء، والأدباء، وبعض الفنانين، ولعل أشهر هذه اللحى، لحية الأديب الروسي تولستوي، والفيلسوف كارل ماركس، والأديب الفرنسي فيكتور هيجو، والشاعر الهندي طاغور.
ومن السياسيين من اتخذ لحى مميزة كالرئيس الأميركي الوحيد«إبراهام لنكولن»، والإمبراطور الألماني «فيهليم»، والرئيس الكوبي «فيدل كاسترو»، وقائد الثورة البلشفية «لينين»، والثائر «تشي جيفارا»، والزعيم الفيتنامي «هوشي منه»، وغيرهم، أما السلاطين العثمانيين فلم يكن كلهم لديهم اللحى، وهو أمر انطبق على الزعماء والرؤساء العرب والدول الإسلامية بعد عصر النهضة، أما العرب والمسلمين في عصورهم الأولى، فكانوا يرخون اللحى، ويحفون الشارب إقتداء بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
رجال الدين اليهودي والإسلامي ظلوا متمسكين بتربية اللحية، أما رجال الدين المسيحي ففي بعض المذاهب والطوائف فقط، خصوصاً رجال الكنيسة الشرقية، وكذلك يفعل رجال «السيخ» لأنها من أعمدة ديانتهم وأركانها الخمسة.
اليوم هناك لحى تمثل شعوباً بعينها، منها اللحية المطوقة والمميزة، والتي تسمى «سكسوكة»، واللحية الطليقة العريضة المشعثة، واللحية الدائرية الخفيفة والمتوسطة، ولحية النبلاء والفرسان في العصور المتأخرة والمتميزة بإطلاق العذبة التي تحت الشفة السفلى مع شنب مبروم، أما الإماراتيون فيتميزون باللحية «المخنيرة» والتي غدت موضة سائدة ومعروفة في العالم، أما الصينيون فلهم اللحية التراثية القديمة على شاكلة لحية فيلسوفهم «كونفوشيوس».
أما صاحب أكبر شارب ولحية في العالم، فهو الألماني «بوكهارد»، حيث يبلغ طول كل جانب من شاربه، حوالي متر ونصف، بقدر طول جناح نسر مسن.
الغريب أن الأتراك وخاصة العثمانيين كانوا يعزون الشارب، ولا يوقرون اللحية، فقد منعوا جندهم من تربية لحاهم، ولكنهم كانوا يعطون علاوة تحفيزة لكل جندي وضابط صاحب كرش كبير، دليل الوجاهة والمهابة!
لكن لِمَ تختلف لحى الشعوب؟ تلك مسألة تحتاج إلى بحث وتقصي، وقد نرجع لها يوماً ما.



إقرأ المزيد