جريدة الإتحاد - 8/1/2026 11:42:40 PM - GMT (+4 )
ما يزال الحديث عن إيران يمتد ويتشعب. وآخر الأخبار رفض إيران التوسط العُماني أو الحلّ العُماني لأزمة المضيق التي اصطنعتها. وقد أراد العُمانيون إدارةً شبيهةً بإدارة مضيق ملقه تتضمن تشاوراً واشتراكاً بين الدول المشاطئة، بينما يريد الإيرانيون الانفرادَ والتفرد! وهم يعرفون أن المضيق دولي ويخضع لقانون البحار وأن الملاحةَ فيه كانت حرة، ولن يوافق أحدٌ في العالم على التقييد أو السيادة الإيرانية. وهذا أمرٌ يدخل في الحقائق التي ينكرها الإيرانيون، رغم أنه لا يمكن إنكارها. فمعظم دول العالم كانت ضد الحرب على إيران من أجل النووي والباليستي والأذرع، وتُفضّل التفاوض. أما بعد إقفال إيران للمضيق، بغيةَ التحكم فيه، فقد صارت معظم الدول ضد إيران، ويعرض الأوروبيون، كما هو معروف، سفناً حربيةً لتأمين الحركة عبر المضيق، ويريدون توسيعَ المبادرة الآن لتشمل بابَ المندب.
ويغيب النووي، كما بعد الضربة الصاعقة، لكنه يعود للحضور عندما يفكر الرئيس الأميركي علناً في كيفية نقل اليورانيوم المخصَّب من إيران! ما عاد النووي، أو بقاياه بعد القصف، مهماً بوصفه سلاحاً خطِراً، بل يتحدث رجالات السلطة عن العزة القومية! ويشايعهم في ذلك الإيرانيون المهاجرون في الولايات المتحدة وأوروبا من الأساتذة والخبراء. وهؤلاء سبق لهم أن عارضوا البرنامج النووي الإيراني لأكثر من عقدين! لقد صار النووي عبئاً بدلاً من أن يكون ميزةً لإيران، لكنّ أوهام العظمة لا تسمح بالمراجعة وإعادة النظر، وبخاصةٍ أنّ الإدارات الأميركية السابقة استجابت للابتزاز الإيراني، فحصلت إيرانُ، بحجة النووي، على تنازلاتٍ كبرى! من التنازلات التي حصلت عليها إيران غض النظر عن نشر الميليشيات المذهبية في الدول العربية، الميليشيات التي خرّبت البلدانَ، وقسّمت كلمةَ المجتمعات، واستولت عليها أحياناً. وقد استخدمت دولة ولاية الفقيه هذه الميلشيات ضد أوطانها، وهي تستخدمها الآن ضد العالم. وفي الوقت الذي تزعم فيه إيران أنها تريد علاقاتٍ طيبةً مع دول الجوار، فإنها لم تترك دولةً في المشرق العربي إلاّ وقصفتها بصواريخها ومسيّراتها التي وصلت حتى إلى مصر!
ولذلك حُقَّ للدول المعتدى عليها أن تَرُدَّ، كما حصل مع الحوثيين ومع الميليشيات العراقية. وهذا مسارٌ مليءٌ بالأَوهام. فإذا سلّمنا بأنّ العراق دولة مجاورة لإيران وفيها كثرة مذهبية مماثلة، فماذا يضرّ إيران لو قامت في العراق دولةٌ وطنيةٌ تعمل من أجل الصالح الوطني العراقي بدلاً من هذا الفساد والاستعباد والتبعية والاضطرار لترجّي أميركا ومحاولة مقاسمتها موارد العراق البترولية؟!
ما يحصل للعراق منذ عام 2003 يحصل في لبنان منذ مطالع تسعينيات القرن العشرين. ففي لبنان ميليشيا مسلحة تعادل في قوتها قوة الجيش إن لم تكن أقوى. وبناءً على توجيهات إيران تتحرش الميليشيا بإسرائيل فتردّ بالتخريب لمنطقة جنوب لبنان وضاحية بيروت، وهو الأمر الذي حصل بالفعل في الشهور الماضية! لبنان كله خاسر، بيد أن طائفة حزب السلاح هي الأكبر خسارةً في الأرواح والممتلكات والعمران والاستقرار. وتحاول السلطة اللبنانية، بمعاونة أميركا، الخروجَ من الرهان الإيراني، ولا أحد يدري هل تنجح في ذلك أم لا.
هناك إذن حقائق يتنكر لها الإيرانيون وترغمهم الولايات المتحدة بالضربات المتوالية على الاعتراف بها. لكنّ المشكلة الأكبر مع إيران هي البناء على الأوهام في الاعتداء على دول الجوار، وفي اصطناع الميليشيات في الدول. وهي أوهامٌ لا يمكن الخلاص منها إلا بالخلاص من صانعيها!
*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية
إقرأ المزيد


