العراق أمام مفترق طرقٍ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 قدر منطقة الشرق الأوسط التي نعيش فيها أن تصبح دائماً محل صراعاتٍ كبرى بين امبراطورياتٍ في التاريخ القديم أو أديانٍ في التاريخ الوسيط أو محاور ودولٍ في التاريخ الحديث، وهي تعيش في هذه المرحلة الحرجة واحدةً من أكثر لحظات تاريخها حرجاً وتعقيداً وتشابكاً.
في لحظات الصراعات الساخنة والحروب المشتعلة، لا يكفي أن تمتلك الدول القوة العسكرية أو القدرة المالية لتتفادى المشكلات وتحصد المكاسب، بل الأهم هو في كسب معركة العقول وفي جعل السياسة قائداً ورائداً للحرب كما هي في السلم، وأن يصبح التوازن مفهوماً مركزياً في تناول الاستراتيجيات كما في التعامل مع التفاصيل.
الرئيس الأميركي يهدّد كالعادة في الأشهر الأخيرة بضربة أميركية قاضيةٍ تدفع للاستسلام أو القضاء على النظام، وإيران تردّ كالعادة بأنها ستصعّد في مضيق هرمز أو في تحريك الوكلاء في العراق واليمن، وتَعِد بأن مسيَّراتها ستصل لكل مكانٍ في المنطقة، وصواريخها الباليستية أو ما تبقّى منها ستصل لكل العالم.
في ظل الضغوط التي يتعرض لها داخل أميركا، يبدو الرئيس ترامب متفاجئاً بتعامل النظام الإيراني معه بعد كل ما وجّهه له من دمارٍ كبيرٍ وغير مسبوقٍ، وبينما يسعى دائماً ليظهر بمظهر الرئيس الحازم القادر على اتخاذ القرارات التي لم يتخذها غيره من الرؤساء، إلا أنه يقرن بذلك دائماً أنه الرئيس القادر على عقد الصفقات، ولكنّ أياً من هاتين الصفتين الرئاسيتين لم تخدمه في التعامل مع الأيديولوجيا، لا لشيء غير أن المنطق الحاكم للتفكير والتفاوض مختلفٌ تماماً بين الجانبين.
الرئيس ترامب يحكم دولةً بُنيت منذ مئتين وخمسين عاماً على العقلانية والواقعية وحكم القانون، بينما «الحكومة الإسلامية» أو «الثورة الإسلامية» في إيران بُنيت على الأيديولوجيا الغيبية والإيمان بأن الخرافات تصنع المعجزات، وتحت هذا المنطق الخرافي تشكّلت مراكز قوى وجيوشٌ بمسمياتٍ مختلفةٍ وميليشياتٍ مسلحةٍ ورموزٍ مستفيدةٍ من كل هذه المنظومة، وهي منظومةٌ بُنيت ليستطيع كل متطرفٍ فيها أن يقضي على الأقل منه تطرفاً بسهولةٍ، فضلاً عن أن يتشكل فيها مركز قوةٍ معتدلٍ أو متوازنٍ، كما كان يطرح كثيراً عبر العقود الماضية.
حركة «حماس» انتهت تماماً من مستقبل قطاع غزة، بحسب ما صدر عن «مجلس السلام» في غزة، و«حزب الله» اللبناني يوشك أن ينتهي من مستقبل لبنان بعد صراعاتٍ على البقاء لم تفد الحزب شيئاً غير شراء بعضٍ من الوقت، وميليشا «الحوثي» في اليمن تتجه إلى لفظ أنفاسها الأخيرة، بينما يعيش العراق واحدةً من أصعب لحظاته التاريخية ما بعد 2003 بحيث سيضطر إلى الاختيار بين الدولة المستقلة ذات السيادة الكاملة، والتي تملك الحق الحصري لحمل السلاح، وبين الميليشيات المسلحة بكافة أنواع الأسلحة، والتي تأتمر بأمر دولةٍ أجنبيةٍ لا علاقة لها من قريبٍ أو بعيدٍ بمصالح الدولة العراقية وحكومتها وشعبها.
يعلم رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي أنه لن يستطيع دون دعمٍ حقيقيٍ أن يواجه الأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة التابعة لإيران، ويعلم كذلك أن دول الجوار لن تستطيع الصمت مطولاً عن كل ما يهدّد أمنها واستقرارها، وأنها لن تسمح لأي هجومٍ مسلّحٍ ينطلق من الأراضي العراقية أن يمرّ من دون ردٍ يكافئه في القوة والرّدع.
أخيراً، فإن العراق لن يستطيع الصمود طويلاً أمام تذمُّر جيرانه جميعاً ومن كل الجهات ضد أن يصبح أداةً في يد أي دولةٍ أخرى لديها أجندتها الخاصة، وهي قد اخترقت العراق واختطفته واختطفت قراراه على مدى أكثر من عقدين من الزمان، ومن هنا فإن العراق أمام فرصةٍ تاريخيةٍ ليصبح كل ما يشاء له شعبه في فترةٍ وجيزةٍ. 


*كاتب سعودي



إقرأ المزيد