الحر يضع فرنسا في مواجهة التغير المناخي
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

حوّل الصيف الحالي فرنسا إلى ما يشبه الجحيم، فلم تقتصر المعاناة على موجات الحر المتعاقبة التي بلغت خلالها درجات الحرارة أكثر من 44 درجة مئوية، بل امتدت إلى الجفاف وحرائق الغابات، التي اندلع بعضها على مقربة من باريس. وقد تحولت أوراق الأشجار والعشب إلى اللون البني، وفي أنحاء البلاد، يؤكد المزارعون أن محاصيلهم ذبلت تحت وطأة الحرارة.
وأدت الأحوال الجوية المتطرفة إلى شل الحياة في البلاد مراراً. ففي محيط مدينة بوردو، التهمت حرائق الغابات نحو 160 كيلومتراً مربعاً، ما أجبر أكثر من 220 ألف شخص على إخلاء منازلهم. كما توقفت عدة محطات نووية مؤقتاً عن العمل، وألغيت رحلات قطارات لأن مساراتها قريبة من الحرائق. واضطرت معالم سياحية في باريس، مثل متحف اللوفر وبرج إيفل، إلى الإغلاق مبكراً بسبب الحرارة، الأمر الذي أثار استياء السياح وأصحاب الأنشطة التجارية. وبينما تتوالى الأزمات، جاء رد فعل الحكومة مرتبكاً وغير متماسك.
 المشكلة تكمن في عزوف الفرنسيين عن استخدام أجهزة تكييف الهواء، وأن الحل يكمن في تغيير الثقافة العامة. فقد أعلنت زعيمة اليمين المتشدد مارين لوبان، التي عارض حزبها طويلاً السياسات الداعمة للمناخ، خطة لتوسيع استخدام أجهزة التكييف. وعلى منصة إكس، سخر بعض اليمينيين، ومن بينهم إيلون ماسك، من عدم اعتماد الأوروبيين على التكييف كحل للأزمة. إلا أن هناك تعقيدات بشأن استخدام التكييف، كما أنه لن يكفي لحل المشكلة. ففرنسا بحاجة إلى التعامل بجدية أكبر مع عملية التكيف مع تغير المناخ، بعدما أصبحت موجات الحر وحرائق الغابات واقعاً متكرراً يهدد الأرواح.

وحتى وقت قريب، كان طقس فرنسا معتدلاً نسبياً. لكن تغير المناخ ضرب فرنسا وبقية أوروبا بسرعة كبيرة. إذ ترتفع درجة حرارة القارة بأكثر من ضعف المتوسط العالمي، ويعتقد العلماء أن عدد الأيام شديدة الحرارة سيتضاعف عشر مرات بحلول نهاية القرن. كما أصبح الجفاف مشكلة مستمرة تهدد المحاصيل وتفرض قيوداً على استهلاك المياه.

وأدى رد فعل الحكومة إلى جعل الفرنسيين مسؤولين عن سلامتهم. لكن تداعيات موجات الحر لم تكن متساوية على الجميع، فبينما لجأ الأثرياء إلى أماكن أكثر برودة أو فنادق مكيفة، بقي أصحاب الدخل المحدود يعانون داخل منازلهم. وخلال موجة يونيو، سجلت فرنسا نحو 5700 وفاة إضافية، غالبيتها من كبار السن في دور الرعاية أو الشقق شديدة الحرارة.
وتفاقمت الأزمة بسبب عدم تأهل كثير من المباني لمواجهة الحرارة المرتفعة، إذ تفتقر أكثر من 40% من المنازل الفرنسية إلى وسائل فعالة لحجب أشعة الشمس، كما تحبس أسطح مباني باريس الشهيرة المصنوعة من الزنك الحرارة، أي أن الاعتماد على التكييف دون تحسين المباني، يعد حلاً غير مجدٍ، إذ أن أجهزة التكييف تخفف الحرارة داخل المباني وتزيدها خارجها، لاسيما في المدن المكتظة، مثل باريس، إذ يفاقم الهواء الساخن المنبعث منها ظاهرة الجزر الحرارية الحضرية، أي أن درجة الحرارة في شارع ضيق تصطف على جانبيه أجهزة التكييف قد ترتفع بنحو 10 درجات مئوية.
وأدى غياب سياسة واضحة إلى اتجاه كثير من الفرنسيين لشراء أجهزة تكييف متنقلة رخيصة بدلاً من تبني حلول أكثر كفاءة واستدامة، مثل المضخات الحرارية. كما اشترت الحكومة 30 ألف جهاز تكييف متنقل للمرافق الصحية، لكن عدم ملاءمتها للمباني تثير شكوكاً بشأن فعاليتها.
وكان من المفترض أن تدفع موجات الحر والحرائق المتكررة السلطات إلى تسريع خطط التكيف، إلا أن الاستجابة ظلت دون مستوى الأزمة، واتسم تنفيذ برامجها بالتخبط، فبينما تركز الحكومة على تحسين كفاءة الطاقة في الشتاء، أصبحت مواجهة حرارة الصيف أولوية ملحة.
وتعتبر تكلفة التكيف الحقيقي مع تغير المناخ باهظة للغاية، حيث تُقدر تكلفة تجديد المباني في فرنسا لتتوافق مع الأهداف المناخية بنحو 51 مليار دولار سنوياً، من دون التكاليف الأخرى للاستعداد للمناخ، مثل تحسين إدارة حرائق الغابات وإيجاد سبل لتعزيز الأمن الغذائي والمائي للبلاد.
لكن التقاعس سيكون أكثر كلفة، فقد قُدرت الخسائر الصحية الناجمة عن موجات الحر بين عامي 2015 و2020 بما يتراوح بين 22 و37 مليار يورو، فيما تشير التوقعات إلى تجاوز خسائر موجات الحر 230 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة. كما قد يرتفع عدد الوفيات المرتبطة بالحر في أوروبا إلى 30 ضعفاً بحلول نهاية القرن.وتأتي معاناة فرنسا في وقت يتراجع فيه تغير المناخ على أجندة النقاش السياسي. فقد أغلقت الحكومة الصيف الحالي وحدة بحثية معنية بالتكيف مع المناخ، وأقرت قانوناً يقول منتقدوه، إنه قد يُفاقم الجفاف. لكن المشكلة لن تختفي بحلول الخريف. فحتى لو كانت مساهمة فرنسا في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية ضئيلةً نسبياً، فإن البلاد بحاجة إلى الاستعداد لحقيقة أن فصول الصيف القادمة ستكون أسوأ بكثير من الصيف الراهن.
*رئيسة تحرير صحيفة «ذا دايل».
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»



إقرأ المزيد