الحر يولد الشر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

- في اعتقادي أن الحر هو مصدر الشر، والغضب الذي يحلّ على الناس، رغم أن العرب من أكثر الشعوب تغزلاً في الطقس، لكن لو نقلنا مثلاً شخصاً من الذين لا يصبحون على خير، ولا ينوون من فجرهم الخير، ويشتعل مع أقل حديث، ويتورم من أي ملاحظة، من مكانه الحار، وشمسه الحارقة، وتلك الرطوبة التي تسبب الكمد، إلى منطقة باردة في ضواحي هولندا مثلاً، فستجده فجأة ينهار، ويسيح كالثلج الذائب، ويذهب في الابتسام، وحب المزاح، وسيقترب من الخير، وسيغدو صوته أقل حدة، وأكثر ثقة، لأن للطقس تلك السُلطة والسَطوة، وللجو ذلك التأثير السريع على الإنسان، وحتى على هيئته، وتكوين ملامحه!
- إخواننا في المناطق الحارة يبكرون منذ صباحهم غير الندي بـ«السب»، وكل ما من شأنه كما يعتقدون أنه سيفرح قلوبهم المثقلة، ويخفف من وطأة نهارهم الذي بلا آخر؛ لذا تجد المسبات واللعنات على طرف لسان الواحد منهم في ذلك الجو المكفهر، لكنه لو سكن في أطراف سويسرا أو في بافاريا فستجده ينهض باسماً، ولن يسبّ الماورائيات، الحر وحده هو من يجعل النفوس تغلي، ويجعل الزعاف يصعد إلى الرأس، دائماً الجماعة في توتر، وكأنهم أقواس مشدودة، ومستعدة للانطلاق بعشوائية في كل لحظة، والحر هو ما ينبش الإنسان ويجعله يثور أمام أي مشكل في حياته، ولو كان بسيطاً، مثل أن يثقب إطار سيارته ظهراً في حدود الساعة الثالثة.
- حاول أن تدخل في دولنا الساخنة محل جزارة للحم الحلال، واطلب من الجزار الذي يتسلح بسكين في اليد اليمنى، وساطور في اليد اليسرى، ومن أجل السلامة العامة، والمحافظة على النظافة أن يرتدي معطفاً أبيض، بدلاً من تلك الفانيلة أم حمالتين المسوّدة، والمثقبة في جوانبها، والتي تظهر شعر زنديه، وانظر كيف سيتصرف «بلباقة ملحمية»!
- أقول لكم.. حاولوا أن تدخلوا على فران، وهو مواجه بيت النار، ويصلي ظهره مثل حرّنا الذي يأتي عادة مبكراً كل عام، ويكاد يودع العام في آخره، وحاولوا أن تستعطفوه كي يرتدي قفازين، وهو يحمل الخبز أو وهو يعجن الطحين، لأن كثيراً من الأضرار تدخل لبيوتنا من المخابز والمطاعم، وسترى كم سيسعد حينها، وكم سيبتسم في وجه أخيه، لكن تأمل في الدول الباردة تجد المخبز نظيفاً، والتي تبيع نظيفة، وتلبس قفازات، وتضع قبعة «الشيف» على رأسها، مغطية شعرها الذي يجب ألا يتغطى من جماله الحريري، مانعة قطرات ندى عرق الجبين الثمين من الهطول، وكمامات على الأنف، وتجد الناس العاملين يتقبلون الملاحظة، ولا يسبون، ولا يغضبون، وقد يودعونك بابتسامة بدلاً من منقاش الخباز.
- الحر يا جماعة هو مصدر الشر، وهو الذي يجعل سائق التاكسي يسب امرأة تعبر الطريق، ويسمعها كلمات ليست كالكلمات، ولولا الحر لما ارتشى بعض الموظفين، ولا عطلوا مصالح الناس، ولا كثر الطلاق، وحلت البركة في الأشياء، ولن تجد قاموس الشتائم في شوارعنا العربية، الحر يجعل حتى كلابنا تنبح أكثر، ومكيفاتنا لا تبرّد، وأعصابنا تغلي، والشر من الحر لا برا ولا بعيد.



إقرأ المزيد