باب للتسامح: التذكير بالسَّموأل والطائيّ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 ليس أكثر تداولاً، على أَلسُن العرب المسلمين، من اسمي الشخصيتين التاريخيتين والمؤثرتين في أدبنا وأخلاقنا: السموأل بن عاديا (نحو 560 ميلادية) وحاتم الطائي (نحو 578 ميلادية)، والأول أحد أجداد اليهود، والثاني أحد أجداد المسيحيين، لكن ما يؤسف له أن معاملة قوميهما، في أكثر الحقبات التاريخية، من عمر الدول، كانت لا ترتقي إلى حفر الاسمين في تاريخ المنطقة.
يقفز الاسمان أمامنا بقوة في مثال الوفاء والسخاء، وإضافة لهما هناك عدد كبير من الأسماء التي أجادت وبرزت في الشعر والأدب العربيين، وساهمت في تنظيم الدولتين: الأموية والعباسية وقبلهما الراشدية. مازال السموأل والطائي الشخصيتان يعيشان في ثقافتنا النخبوية والشعبية، لدى المتدينين واللا متدينين، المتسامحين والمتشددين، على حد سواء.
الأول عُرف مضرب المثل بالوفاء، والثاني مضرب المثل بالجود والكرم. الأول لأنه كان يهودياً، ومع أن اسمه مازال جارياً بقوة على الألسن، إلا أن الروح المتعصبة، والتي تدعي التنادي للنضال في سبيل فلسطين، رفعته من على أحد طرقات بغداد. حتى إن أديباً ومحامياً يهودياً عراقياً مثل أنور شاؤول (ت 1984) استنجد به في وقت الشدة والمحنة (1969): «سأظل ذياك السموءال بالوفا/ أسُعدت في بغداد أم لم أسعد»(مذكراته)
أورد ابن حبيب (245 هج) في «كتاب المُحبر» وتحت عنوان «الوافون من العرب» قصة السموأل بن عاديا الغساني مع أحد ملوك الشام، لما غزاه مطالباً بدروع امرئ القيس بن حُجر، وهدده: «يا سموأل ادفع إليَّ دروع امرئ القيس، وإلا قتلت ابنك»! فأجابه من خلف الحصن: «ليس ليَّ إلى الدروع سبيل. ففعل ما بدا لك»! قال: «فذبح ابنه وهو ينظر إليه»!
وتحت عنوان «أجواد الجاهلية» ذكر ابن حبيب مضرب المثل حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي. وصحيح أن بغداد مازالت تحفظ لوزراء بني العباس البرامكة المثل بالجود، وأطلقت على (الخواردة/ الكريم بلا حساب) لقب البرمكي، إلا أن حاتم الطائي احتفظ بوجوده في الذاكرة العراقية والعربية.
كان القاضي يحيى بن أكثم (242هج)، يقول للخليفة عبد الله المأمون (218 هج): «إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم كنت هرمس في حسابه، أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب، عليه السلام، في عِلمه، أو في السخاء فأنت حاتم الطائي في جوده» (الأخبار الموفقيات). وحاتم هو القائل: «بأني لا يهرُّ الكلب ضيفي/ ولا تُقضي نجيُّ القوم دوني»
 ونحن نتحدث ونبحث عن الجامع والعازل بين أبناء البلد الواحد، من تجربة في التاريخ إلى نصوص مقدسة، وأخرى فقهية من وضع علماء الدين، ومَنْ صاغ الشروط المرهقة على أهل الديانتين، وبقية الأديان، إلى الإقصاء والتهجير، ألا يثير اسما السموأل بن عاديا وحاتم الطائي شيئاً في المخيلة عند الخاصة والعامة؟!
 وإن عُطل الوفاء وانتهى زمن السخاء، في واقع إنساني غدا أخشن من الحجارة، فقد هُجر أهل ديانة الأول، ومازالت بيوتهم الدينية ومراقدهم المقدسة تملأ أرض الرافدين/ العراق، ويهجر أهل ديانة الثاني بطرق وحيل عديدة للاستيلاء على قراهم، وصوت الاحتجاج ليس عالياً، ونخوة المواطنة معطلة!
غير أن الواقع الراهن صار أكثر من عام 1948، وصلافة الصهيونية مع الفلسطينيين، مما عقد النظر إلى السموأل كأحد وجهاء اليهود، واليوم صار التفكير على أشده، بعد أحداث غزة الكارثية، أكثر ضبابية في التفريق بين يهودية السمؤال والصهيونية الحديثة، التي لم يعرفها، ولا هي تعرف المضرب بالوفاء السموأل، مثلما أن الحروب الصليبية فصلت في الذاكرة بين المسيحية، المبنية على الحُب والتسامح، وحاتم الطائي، بل والمسيح عليه السلام نفسه. فمن باب تنشيط فكرة التسامح أنّ نُذكر بالسموأل والطائيّ، مع علمنا أن اسميهما محفوران في الذاكرة، حتى من دون تذكر ديانتيهما.
*كاتب عراقي



إقرأ المزيد