جريدة الإتحاد - 8/5/2026 12:48:51 AM - GMT (+4 )
ليست مشكلةُ كثيرٍ من مجتمعاتنا أنها لا تعمل، بل إنها تعمل كثيراً من غير أن تُحسن العمل. تُعقد الاجتماعات، وتُطلق المبادرات، وتُستهلك الميزانيات، ثم تكون النتائج أضعف من الجهد المبذول، وأقل من الإمكانات المتاحة. وليس الخلل دائماً في نقص الموارد أو غياب الكفاءات، بل في ضعف ذلك الوازع الذي يجعل الإنسانَ غير راضٍ عن عمله حتى يؤديه على الوجه الذي يليق به.
الإتقان ليس زينةً تُضاف إلى العمل بعد إنجازه، ولا شعاراً إدارياً يُرفع في التقارير، بل هو موقف أخلاقي من المسؤولية، معناه أن يدرك الإنسان أن جودة ما يقدّمه جزء من صورته، وأن الخلل الصغير الذي يتسامح معه اليوم قد يتحول غداً إلى عطب في مؤسسة، أو خسارة في اقتصاد، أو تراجع في ثقة الناس.
لكن كيف تحوّلت الرداءة من خطأ عابر إلى سلوك مألوف؟ حدث هذا حين صار إنهاء المهمّة أهم من إحكامها، وحين غلبت قيمة الظهور على قيمة الإنجاز، وأصبح السؤال: هل انتهى العمل؟ بدل أن يكون: هل أدى غايتَه؟ وهكذا نشأت ثقافةٌ تقبل بالحدّ الأدنى، وتكافئ الحضور أكثر من الإضافة، وتمنح الاعترافَ لمن يتكلم، لا لمن يُنجز، ولمن يقدم صورةً جذّابة، لا لمن يبني أثراً باقياً.
الرداءة لا تدخل حياتنا دفعة واحدة، بل تتسلل من التفاصيل: موعد لا يُحترم، وبحث لا يُراجع، وقرار لا يُدرس، ومعلّم يكرّر، وموظف ينجز ما طُلب منه دون أن يسأل عن جدواه. تتراكم هذه التفاصيل حتى يصبح الخلل عادة، ثم تتحول العادة إلى نظام، ويغدو الإنسان المتقن استثناءً، بدلَ أن يكون هو الأصل.
والإتقان لا يقتصر على الجانب المهني، فهو يبدأ من جودة التفكير قبل جودة المنتَج، ومن احترام الوقت قبل دقة الإنجاز، ومن القدرة على مراجعة الخطأ قبل الدفاع عنه. لكنه لا يقوم على الضمير الفردي وحده. فالمؤسسة التي تدعو إلى الإتقان ثم تساوي بين المجتهد والمقصر، تهدم القيمة التي تزعم حمايتها. والمجتمع الذي لا يكافئ الجودة، ولا يحاسب على الإهمال، يُعيد تربية أفراده على التقصير.
ومن هنا فإن الإتقان قضية عدل، لا مجرد كفاءة. فمن الظلم أن يُقدَّم للناس تعليمٌ ضعيف، أو علاجٌ غير مأمون، أو خدمةٌ رديئة، أو قرارٌ مرتجل.. فالرداءة لا تبقى محصورة في صاحبها، بل يدفع ثمنَها المجتمعُ كلُّه.
وفي التصور الإسلامي، لا ينفصل الإتقان عن الإحسان والأمانة وعمارة الأرض. فالعمل لا يكتسب قيمته من كثرة الحركة، بل من سلامة القصد وجودة الأثر. والمطلوب ليس أن يؤدّي الإنسانُ ما عليه فحسب، بل أن يبلغه أقصى ما تسمح به قدرته من الصواب والنفع والجمال.لهذا تبدو حاجتنا إلى الإتقان اليوم أكثر إلحاحاً. فالعالم لم يَعُد يعترف بالعمل المتوسط، ولا بالنوايا الحسنة إذا لم تتحول إلى نتائج. والأمم لا تتقدم بكثرة ما تعلن، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى عمل، والوقت إلى قيمة، والكفاءة إلى أثر.
فمتى يصبح الإتقان عادة عامة لا بطولة فردية؟ ومتى تتحول الجودة من شعار إلى معيار؟ ومتى ندرك أن الحضارة لا تُبنى بكثرة ما نبدأ، بل بحسن ما نُتم؟
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


