جريدة الإتحاد - 8/5/2026 12:58:44 AM - GMT (+4 )
أدّت حزمة البيانات الاقتصادية الأميركية الصادرة، الخميس الماضي، إلى رفع معنويات الأسواق المالية، إذ انخفض التضخم مقارنةً بالشهر السابق، كما جاء مقياس التضخم «الأساسي»، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، أقل من التوقعات. وأظهرت بيانات الاستهلاك، بصورة منفصلة، اقتصاداً يعمل بكامل طاقته، مدفوعاً بازدهار الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب استمرار المستهلكين في الإنفاق بسخاء.
لكن لا تتوقعوا أن تستمر هذه الصورة الاقتصادية المثالية، التي تبدو «أفضل من أن تكون حقيقية»، لفترة طويلة. لننظر إلى هذه المؤشرات واحداً تلو الآخر.
يرجع انخفاض أسعار المستهلكين، وإلى حدٍّ كبير، إلى عوامل أصبحت بالفعل من الماضي، إذ جاء مدفوعاً بتراجع أسعار النفط الخام والبنزين خلال يونيو، وهو تراجع انعكس مساره لاحقاً. فقد ارتفعت العقود الآجلة للنفط الخام بنحو 20% مقارنةً بنهاية الشهر الماضي، كما زاد متوسط السعر اليومي للبنزين العادي الخالي من الرصاص بأكثر من 6%.
وحتى وقت كتابة هذا التقرير، كانت الولايات المتحدة وإيران تخوضان جولةً جديدة من التصعيد ضمن الحرب المستمرة منذ خمسة أشهر، فيما امتدّت التوترات والأعمال العدائية إلى مناطق جديدة في الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى المتابعين لسياسات البنوك المركزية، فقد كان مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسية، وهو مؤشر يراقبه مجلسُ الاحتياطي الفيدرالي عن كثب، على الأرجح أكثر التطورات الإيجابية في بيانات الخميس الماضي. وقد ارتفع المؤشر بنسبة 0.13% مقارنةً بشهر مايو. كما ذُكرت النسبة حتى الرقم الثاني بعد الفاصلة لإظهار أن استطلاع الاقتصاديين توقّع قراءةً قدرها 0.2%، وأن الفارق عن هذا التوقع لم يتجاوز 0.02 نقطة مئوية.
لكن التقرير استفاد من مساهمات سلبية كبيرة، يُرجَّح ألا تتكرر، من فئات خاصة وغير اعتيادية، كان من بينها الفنادق والخدمات التي تقدِّمها المؤسسات غير الربحية للأُسر. أما الفئة الأخيرة، فهي فئة تُحتسب تقديرياً، ولا تقدم معلومات عملية كثيرة عند مقارنتها من شهر إلى آخر.
وأخيراً، ننتقل إلى جانب الطلب في بيانات الخميس، فعلى الرغم من تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، محسوباً على أساس سنوي، إلى 1.5%، فقد تسارع الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار الثابت، وهما الفئتان الأهم، والمعروفتان معاً باسم «المبيعات النهائية الحقيقية للمشترين المحليين من القطاع الخاص»، أو ما يُطلق عليه أحياناً «الناتج المحلي الإجمالي الأساسي»، ليسجّلا نسبة نمو بلغت 3.9%، مقارنةً بنسبة 1.7% سابقاً.
وبدت مؤشراتُ الاستهلاك إيجابيةً بشكل خاص، لأنها أوحت بأن قوةَ الاقتصاد لا تعتمد فقط على الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. وقد يكون ذلك صحيحاً، وقد لا يكون.
وربما كانت بطولة كأس العالم أحدَ العوامل المؤثّرة، إلى جانب ارتفاع غير معتاد، ومن المرجح أن يكون مؤقتاً، في فئة «السلع غير المعمرة الأخرى». ووفقاً لمكتب التحليل الاقتصادي، فقد جاء هذا الارتفاع مدفوعاً بالإنفاق على الأدوية الموصوفة طبياً.
ومهما كانت الأسباب وراء ارتفاع الاستهلاك خلال الربع الثاني، فمن المرجّح ألا يكون هذا المستوى قابلاً للاستمرار. فقد انخفض الادخارُ الشخصي كنسبة من الدخل الشخصي المتاح إلى 2.7%، وهو أدنى مستوى له منذ الربع الثاني من عام 2022. وباستثناء تلك الفترة، لم تشهد الولاياتُ المتحدة معدّلات ادخار منخفضة إلى هذا الحدّ منذ الفترة التي سبقت الأزمة المالية مباشرة.
ومن المغري الاحتفال ببيانات يونيو التي تبدو وكأنها تحقق سيناريو «جولديلوكس» الاقتصادي، أي اقتصاد لا يعاني تضخّماً مرتفعاً ولا تباطؤاً حاداً، بل يقع في منطقة مثالية بينهما. لكن من الأفضل للجميع الانتظار قبل الاحتفال بأي معطيات أو تقارير.. فمن المرجّح أن تعود الحقائق الاقتصادية لتفرض نفسها على بيانات الاقتصاد الكلي خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
*كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


