جريدة الإتحاد - 8/7/2026 12:20:01 AM - GMT (+4 )
للذين يعرفون مدريد كمدينة جميلة على الدوام، وللذين يعرفون الطريق الموصل للبيت العربي فيها، ولكل تلك الفعاليات والأنشطة الثقافية والفنية التي كانت تدور داخل جدرانه، وتسمع صداها أرجاء إسبانيا، لذلك المشهد العمراني الذي يزين تلك الدار ذات الطراز الأندلسي، أنقل لهم زفرة البيت العربي الأخيرة قبل أن يطويه النسيان، ويصبح من غبرة التاريخ، وذلك إثر قرار بلدية مدريد في هذا الصيف بإعطاء مهلة شهرين حتى نهاية سبتمبر 2026 بإخلاء مقر «البيت العربي Casa Arabe» التاريخي، وتسليمه للبلدية بحجة الصيانة والإصلاح وتفريغ المكان، مما أثار ردود فعل غاضبة وواسعة النطاق في الأوساط الثقافية والأكاديمية، حيث عُدٌ هذا الإجراء تهديداً شديد الخطورة لأحد أهم جسور الحوار بين إسبانيا والعالم العربي كجوار جغرافي وتاريخي وصلات حضارية مترابطة لعدة قرون.
يعتبر هذا «البيت العربي» في مدريد، والذي تأسس عام 2006، مؤسسة ثقافية استراتيجية عالية الأهمية، تابعة لوزارة الخارجية الإسبانية، لعبت على مدار عقدين دوراً محورياً في مد جسور للحوار بين إسبانيا والعالم العربي، وقذ اتخذ بُعداً حضارياً ممتداً لأميركا اللاتينية وثقافاتها، لقد أصبح هذا المكان أكبر من مبنى إداري، وأوسع من محيط ثقافي وفني، بل صار فضاءً حياً يتجاوز حدود الاتصال إلى التواصل، وتحريك أسئلة التاريخ الطويل الممتد والمشترك من خلال إقصاء الصور النمطية السائدة عن العرب في الإعلام الغربي، مقدماً الآداب والفنون والتراث والفكر العربي بوصفها من معطيات الحضارة المعاصرة، وذلك عبر الندوات الثقافية المختلفة، والمعارض الفنية الراقية، والأمسيات الأدبية، وبرامج تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ولأبناء العرب في المهجر، تلك اللغة المتماهية فيها الإسبانية ومصطلحاتها وكلماتها وطرق تعبيرها، والتي تطل بحضورها القوي على شواهد وجدران وآثار إسبانيا والبرتغال وعموم شبه جزيرة إيبيريا وتداعيات تأثيرها في ثقافة أميركا اللاتينية.
وإن أردنا الذهاب عميقاً في الأمر، فإن أهمية البيت العربي في مدريد تتجلى في كونه يجسد الذاكرة المشتركة بين العرب وإسبانيا، بين مدينة مدريد والعرب، لا سيما وأن مدريد أسسها المسلمون العرب في القرن التاسع الميلادي، وتحمل حتى اليوم المعنى العربي من مجرى الماء «مجريط»، لقد نجح البيت العربي في تحويل هذه الذاكرة من مجرد تاريخ في المتاحف إلى واقع متجدد، مما عزز من القوة الناعمة لإسبانيا وعلاقاتها مع 22 دولة عربية، كما قدم فلسطين كقضية ثقافية وإنسانية عميقة بعيداً عن صراعات الأخبار السياسية اليومية شبه المضللة أحياناً، والمتحيزة كثيراً.
يُعد مبنى البيت العربي في مدريد تحفة معمارية تعود للقرن التاسع عشر، وتحديداً لعام 1886، حينما صممه المهندس المعماري «إميليو رودريغيز أيوثو»، حيث يتميز بطرازه المعماري الذي يُعرف بـ «المدجني» (Neo-Mudéjar)، وهو طراز إسباني متأثر بالعمارة الإسلامية التي سادت في الأندلس، مما يجعله انعكاساً بصرياً وتاريخياً للعلاقة العميقة بين مدريد وتاريخها المشترك العربي والإسلامي، ويقع هذا البيت العربي في مبنى يُعرف بـ «مدارس أغيري Escuelas Aguirre»، وقد تم اختياره قبل عشرين عاماً ليعزز الرمزية الثقافية للمكان الذي يجسد التلاقح الحضاري بين الثقافتين الإسبانية والعربية، فهل نسمع آخر صيفنا هذا شهقة الزفرة الأخيرة للبيت العربي في مدريد؟
إقرأ المزيد


