الأحزاب الدينية في الانتخابات الإسرائيلية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تجتهد الأحزاب الدينية على مختلف توجهاتها السياسية والاجتماعية تحت مظلّة اليمين المتشدد للتحرك وإعداد ترتيباتها الإجرائية لخوض الانتخابات المقبلة، وهو ما برز في إعداد مؤتمراتها، وتحركها قدماً وبصورة لافتة للبقاء في المشهد الراهن والالتحاق بالحكومة المقبلة أي كان شكل ائتلافها، وهو أمر يتم من خلال مصالح محددة ومواقف قد تتغير، ومساعٍ من أجل بناء مقاربة خاصة لكل حزب وعامة من خلال النظر إلى الليكود، باعتباره الحاكم والمباشر لأي توجه سيمضي فيه كل حزب واللافت أن الليكود يتابع عن قرب ما يجري داخل هذه الأحزاب. بل يتدخل رئيس الوزراء الإسرائيلي من أجل تحفيز دور ومهام كل حزب يمكن أن يأتلف معه.
وفي هذا السياق تتابع المؤسسة الدينية في إسرائيل وقياداتها الكبرى، ما يجري وبصورة غير مباشرة، بل ومن خلال التحكم في طرح الأسماء المرشحة، ومراقبة مسارات التحرك الجماهيري والشعبي لهذه الأحزاب، التي تعمل على مباركة خطواتها، ونيل القبول لدى الحاخام الأكبر من جانب وقيادات الحاخامات الأخرى من جانب آخر، ما يعطي دلالات بأن المؤسسة الدينية تلعب دوراً مهماً في دعم ومباركة خطوات هذه الأحزاب الدينية، والتي لا تقف عند دعم حزب «شاس» فقط بل وسائر الأحزاب الدينية الأخرى، ما يؤكد أن المؤسسة الدينية تلعب دوراً مهماً في الدفع بعناصرها، بل والتحرك قدماً في إحداث قدر كبير من التوازنات المهمة بالنسبة لباقي الأحزاب الأخرى، التي تتحرك في دوائر متعددة وفي ظل هيمنة ليكود على ما يجري.
 وبرغم مناكفات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، فإن الأحزاب الأخرى الصاعدة بما فيها حزب «يشار» يعمل في اتجاه محكم متقدماً في استطلاعات الرأي مؤخراً، ثم موازنة «ليكود»، وبما يؤكد أن الانتخابات المقبلة لن تقتصر على منافسات واسعة، أو أنّها ستشهد بالفعل تشتت الأصوات أو اتجاه مزاج الناخبين إلى دوائر متقاطعة.
في هذا السياق تتحرك المؤسسة الدينية بمعناها العام، وباعتبارها أقوى مؤسسات صنع القرار، والتي تنافس المؤسسة العسكرية للعمل والتحرك في مساحات مباشرة من أجل أن توجه الناخب الإسرائيلي نحو خيارات محددة، ومن أجل أن تجتاز هذه الأحزاب مرحلة الحسم تعمل في اتجاهات محددة، ومن أجل أن تتحرك في اتجاه هدف واحد متعلق بأن تدخل هذه الأحزاب الحكم مجدداً، وألا تبعد عن إدارة المشهد من أجل الحصول على مكاسب سياسية واجتماعية معلومة ومحددة، وهو ما تمارسه هذه الأحزاب الدينية عن قرب وعن قناعة، وألا تنأى بنفسها في إدارة المشهد الحزبي في الوقت الراهن، وبما يؤكد أن القيادات الدينية الكبرى قد تدفع ولا تبارك فقط بعناصر محددة من أجل أن يكون الكنيست القادم متلقياً لكثير من التشريعات، وألا تتوقف مجموعات الضغط داخل إسرائيل عند درجة محددة ما يؤكد أن إسرائيل الدينية ليست بعيدة كثيراً عن إسرائيل الحزبية أو السياسية أو العسكرية.. وفي ظل حالة الانقسام التي لم تحسم بالنسبة لملف المتدنيين الحريديم في الجيش وتغيير القوانين الراهنة، وتتالي النظر لهذه الشريحة بأنها رافضة لكل الأفكار والقرارات التي صدرت فإن إسرائيل الدينية، ستظل أقوى مؤسسات الحكم في إسرائيل، وليس كما يرى البعض أن دورها رمزي ليس أكثر، وأنَّها لا تتدخل في السياسة ولا تمارس ضغوطات حزبية أوغيرها من التحركات التي تتعامل بها مؤسسات نظام الحكم الأخرى، ما يؤكد أن قيادات المؤسسة الدينية لن تقف في موقف المتفرج في الوقت الراهن، بل ستعمل على الدخول على خط التأثير بل واتخاذ مزيد من الإجراءات لتحريك المشهد لصالحها، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار دائماً، لأن مؤسسات صنع القرار في النظام السياسي الإسرائيلي لها مصالحها الكبرى، وهو ما برز في دور المؤسسة العسكرية على سبيل المثال ودفعت بقيادات عسكرية مثل جارد ايزنكوت ويائير جولان، ومن قبل بيني جانتس في إشارة مهمة بأن العسكريين سيكون لهم دور في ما يجري في ظل وجود قيادات مدنية مثل نفتالي بينت ويائير لابيد وغيرهم، ما يؤكد أن المشهد الحزبي في إسرائيل يتغير في إطار توزيع سلطوي منضبط، وفي إطار حسابات كبري لا تتغير.
 ولهذا فإن الأحزاب الدينية على مختلف درجاتها تعمل وفق مسار تحدده قياداتها الدينية وبما يسمح لها بالتواجد داخل الكنيست أولاً، وعبر دور محدد في ائتلاف يمكن أن يتشكل، وتلعب من خلاله دوراً كبيراً واضحاً ومؤثراً، وفي ظل مناخ يعمل في إطار من التوافقات بين الحزب الكبير ممثلاً في «ليكود»، وبين باقي الأحزاب الدينية بل والكتل الدينية الصغيرة..
يمكن التأكيد إذاً بأن المؤسسة الدينية ترسم مساراً محدداً لكل الأحزاب الدينية، لا تخرج عن حدوده بل تلتزم بالفعل في سياق من الخيارات المحددة التي تتعامل من خلالها، بل وتعمل على التحرك في مساحات محددة منضبطة، ما يُعطي دلالات مباشرة بأن الانتخابات المقبلة ستكون صراعاً كبيراً ومعلناً بين مراكز التأثير في المجتمع الإسرائيلي، وسيمتد ذلك بطبيعة الحال للكنيست، بل وللحكومة التي تتشكّل من خلال أي ائتلاف متفق بشأنه في مواجهة ما يجري والتخوف من تصاعد حدة الصراع في مجتمع منقسم أصلاً، لا يجمعه سوى الحرص على البقاء في مواجهة ما يجري من مخاطر وتحديات حقيقية تواجه الدولة في محيطها الإقليمي.
*أكاديمي متخصص في الشؤون الاستراتيجية.



إقرأ المزيد