جريدة الإتحاد - 8/7/2026 11:37:03 PM - GMT (+4 )
رغم اللحظة التاريخية التي شهدتها فيلادلفيا مع إقرار إعلان الاستقلال في أوائل يوليو 1776، فقد كان ذلك الصيف عصيباً على الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، لا سيما جورج واشنطن. ففي الفترة التي امتدت حتى عبور واشنطن نهر ديلاوير وانتصاره في معركة ترينتون يوم 26 ديسمبر، شهدت حرب الاستقلال الأميركية أسوأ مراحلها على الإطلاق.
خلال تلك الأشهر العصيبة، كان مصير الحرب غامضاً، وكانت بوادر الاضطراب تلوح في الأفق حتى قبل أن يتبنى المؤسسون إعلانَ الاستقلال في فيلادلفيا. ففي 2 يوليو، احتلت القوات البريطانية بقيادة الجنرال ويليام هاو جزيرة ستاتن وسعت إلى بسط سيطرتها على ميناء نيويورك. وخلال الأسابيع التالية، انتقلت إلى لونغ آيلاند وأعدت لشن هجوم كبير على قوات واشنطن. وأقام واشنطن مواقع دفاعية في أجزاء من لونغ آيلاند، لكن قواته لم تكن مستعدةً للهجوم البريطاني، فهُزمت في معركة لونغ آيلاند واضطرت إلى الانسحاب شرقاً عبر النهر إلى مانهاتن.
ولم يدم هذا الانسحاب طويلاً، إذ واصلت القوات البريطانية مطاردة جيش واشنطن، الذي خاض معركة هارلم هايتس قبل أن يتراجع مجدداً، حيث تعرض لهزيمة أخرى في معركة وايت بلينز. وأمر واشنطن جيشَه بالدفاع عن حصن واشنطن، لكن القوات الأميركية مُنيت بهزيمة جديدة وأُسر منها آلاف الجنود، بينما انسحب ما تبقى من الجيش عبر نيوجيرسي إلى بنسلفانيا سعياً للنجاة وبهدف الحصول على تعزيزات من المستوطنين الوطنيين.
ورغم قلة التعزيزات البشرية والمادية، فقد تمكّنت القوات الأميركية من البقاء متقدمةً على البريطانيين. ومع اقتراب هؤلاء الأخيرين، أخلى الكونغرس القاري فيلادلفيا، بينما عبرت قواتُ واشنطن نهرَ ديلاوير مع بداية الشتاء، لتتمكن من السيطرة على السفن المحلية ثم تَعبر النهرَ وتقيم حاجزاً دفاعياً مؤقتاً ضد البريطانيين إلى أن تجمد النهر في موعده الشتوي المعروف. ومنح عبورُ نهر ديلاوير الجيشَ القاري فرصةً لإعادة تنظيم صفوفه، قبل أن يفاجئ واشنطن القواتِ البريطانيةَ وقوات هيسن في معركة ترينتون ليلةَ عيد الميلاد، حيث استطاع أن يحقق مفاجأةً جديدةً بانتصاره في معركة برينستون بعد أسبوع واحد. وهكذا بدأت استراتيجيةُ الهجوم المضاد التي استخدمها واشنطن بشكل أو بآخر طوال فترة الحرب. فعلى العموم كان يتجنب خوضَ المعارك العسكرية في السهول المفتوحة إلا عندما تكون الظروف مواتية، كما حدث في ساراتوغا عام 1777، وفي يوركتاون عام 1781، واعتمد بدلاً من ذلك على استخدام وتوظيف عنصر المفاجأة والخداع.
ويُمكن القول إن واشنطن هو القائد العسكري الأميركي الوحيد في التاريخ الذي صحح استراتيجيتَه الخاطئة خلال حرب كبرى. في صراعات أخرى عانت خلالها الولايات المتحدة في البداية إلا أنها قلبت الموازين لاحقاً، كانت هناك حاجة إلى قائد عسكري جديد لوضع استراتيجية جديدة وتنفيذها، كما حدث عندما قلب الجنرال يوليسيس إس. غرانت مجرى الحرب الأهلية، وكما حدث أيضاً عندما حل الجنرال ماثيو ب. ريدجواي محل الجنرال دوغلاس ماك آرثر في الحرب الكورية خلال خمسينيات القرن الماضي.وقبل أن يُغير واشنطن مسارَ الأمور، كان عليه أن يتجاوز بعض التجارب الصعبة، وأن يحظى ببعض الفرص المواتية. وكانت احتفالات 4 يوليو 1776 قصيرة الأمد، وبدت وكأنها استهزاء سابق لأوانه بالملك جورج الثالث، إلى أن تحسّنت أوضاع الجيش القاري. ولعل مثابرة واشنطن هي الدرس الأهم المستفاد، وهو درس لا يزال بإمكان الأميركيين استيعابه حتى اليوم.
*محلل متخصص في شؤون الدفاع والاستراتيجية بمعهد بروكينغز.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


