جريدة الإتحاد - 8/8/2026 12:18:54 AM - GMT (+4 )
على الرغم من تراجع هجرة أثرياء الصين إلى الخارج إلى النصف تقريباً، وذلك من 15200 مليونير في عام 2024 إلى 7800 مليونير في العام الماضي، لا تزال الصين من أكبر الدول المصدرة للأثرياء في العالم. أما أسباب هذا التراجع، فتعود إلى مجموعة من العوامل منها تباطؤ النمو الاقتصادي، والتعثر الذي يشهده قطاع العقارات باعتبار كونه يمثل جزءاً كبيراً من ثروات رجال الأعمال، وتشديد الرقابة على شركات التكنولوجيا، والقيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال وتحويلها إلى الخارج.. وأخيراً رغبة الأثرياء والعائلات الثرية في تنويع استثماراتها وتأمين تعليم الأبناء والحصول على إقامات أو جنسيات أجنبية.
أما بالنسبة للبلدان التي يتجه إليها أثرياء الصين فهي 7 دول رئيسية، تتقدمها الولايات المتحدة الأميركية، ثم دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعدها سنغافورة، ثم كندا، فسويسرا وأستراليا، وأخيراً نيوزيلندا. وذلك لما تتميّز به هذه الدول، وفق دراسات عدة، من استقرار سياسي، ومرونة في الأنظمة الضريبية، وسهولة في إدارة الأصول المالية، إضافة إلى جودة التعليم والخدمات الصحية.
واللافت في هذا السياق، بروز مسار أثرياء الصين الجدد، إذ إنه وفق شركة «هورون» التي تتابع ثروات أغنياء العالم، هناك هذا العام، وعلى الأقل، 30 مليارديراً جديداً في الصين، أعمارهم 40 سنة أو أقل، بزيادة 9 مليارديرات عن العام الماضي.
ويختلف أثرياءُ الصين الجدد عن سابقيهم في أمور كثيرة، وليس فقط في صغر سنهم، فهم بعيدون عن تكوين الثروات من قطاع العقارات، أو الارتباط بالمسؤولين الحكوميين، إذ يميلون أكثر إلى ألعاب الفيديو، وبرامج الكومبيوتر.. وهذا مع العلم بأنه مع تطور السوق عبر الإنترنت بدأ ظهور أثرياء التكنولوجيا.
ومن الطبيعي أن يكون لهجرة الأثرياء أثر سلبي على الاقتصاد الصيني، إذ يرى كثير من الاقتصاديين أن خروج رجال الأعمال لا يعني فقط انتقال أفراد، بل انتقال جزء من رؤوس الأموال والخبرات والشركات العائلية إلى مراكز مالية منافسة. ومن أبرز التداعيات الناجمة عن هذا الخروج: تراجع الاستثمارات الخاصة داخل البلد، وانتقال بعض الشركات الناشئة ومكاتب إدارة الثروات إلى الخارج، وانخفاض تدفقات رؤوس الأموال المحلية نحو القطاعات الإنتاجية، وتراجع الإيرادات الضريبية المرتبطة بالثروات الخاصة، وزيادة الضغوط على سوق العقارات الفاخرة، وتسارع انتقال مراكز إطلاق الثروات الآسيوية إلى أماكن أخرى.وفي المقابل، يرى بعض الخبراء، أن تأثير هجرة الأثرياء يجب ألا يبالغ فيه، لأن الاقتصاد الصيني يمتلك قاعدةً إنتاجية وصناعية ضخمة، كما أنه لا يزال يولِّد أعداداً كبيرةً من أصحاب الثروات الجدد كل عام، حيث تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الصين لا تزال ثاني أكبر سوق للثروات الخاصة في العالم.
ولكن في الوقت ذاته، يتوقع المراقبون أن تستمر هجرة الأثرياء خلال السنوات المقبلة، ولكن بوتيرة ترتبط بأداء الاقتصاد المحلي وسياسات الحكومة تجاه القطاع الخاص. وإذا تمكّنت بكين من إعادة تنشيط سوق العقارات وتحسين ثقة المستثمرين وتخفيف الضغوط التنظيمية، فقد تتراجع وتيرةُ الهجرة تدريجياً، أما إذا استمر تباطؤ النمو والقيود على حركة رأس المال، فمن المرجح أن تبقى الصين من أكبر الدول المصدرة للثروات الخاصة.
وفي المحصلة لا تمثل هجرةُ الأثرياء تهديداً مباشراً لقدرة الصين على مواصلة النمو، لكنها تشكّل مؤشراً اقتصادياً مهماً على اتجاهات الاستثمار وثقة رجال الأعمال. لذا فإن قدرة بكين على الاحتفاظ برؤوس الأموال المحلية ستكون أحدَ العوامل المؤثرة في مسار الاقتصاد الصيني خلال السنوات المقبلة.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية
إقرأ المزيد


