جريدة الإتحاد - 8/8/2026 8:26:53 PM - GMT (+4 )
ما كان ينبغي أن يكون رمزاً للعلاقات الكندية الأميركية العريقة، أصبح الآن يُفرّق بين حليفين كانا مقرّبين. تضم ديترويت المعابرَ الحدوديةَ الرئيسيةَ الوحيدة في الولايات المتحدة التي يتعيّن فيها التوجه جنوباً للوصول إلى كندا، ويُعد جسر غوردي هاو الدولي أحدثها، إذ افتُتح في أواخر يوليو الماضي بعد تأخير لأسابيع بسبب تدخُّل الرئيس دونالد ترامب.وكان يفترض أن يرمز الجسر، الذي يحمل اسم أسطورة الهوكي، غوردي هاو، إلى الروابط التاريخية والاقتصادية الوثيقة بين البلدين، لكن ترامب جعله جزءاً من خلافه مع كندا، والذي يشمل رسوماً جمركية جديدة سترفع الأسعارَ على المستهلكين والشركات الأميركية.
ويُعد جسر غوردي تحفةً معمارية رائعة، إذ يبلغ طول امتداده الرئيسي 2799 قدماً، وهو الأطول من نوعه في أميركا الشمالية، وقد صُمم خصيصاً للسماح بمرور السفن الكبيرة تحته. أما برجاه التوأمان، اللذان يبلغ ارتفاع كل منهما 722 قدماً، فهما ليسا مجرد هيكل من الخرسانة والفولاذ، فقد صُمما ليحاكيا انحناءةَ عصا الهوكي أثناء تسديد ضربة قوية، وفقاً لمهندسه المعماري إريك بيرينز.
وقلما تجد مدينتين تعشقان رياضة الهوكي مثل المدينتين اللتين يربطهما الجسر، ديترويت وويندسور في أونتاريو، إلا أن ما يوحّدهما أكثر هو إرث غوردي هاو، الذي جسّد الرابط بين البلدين قبل بناء الجسر الذي يحمل اسمه.
وقد وُلد غوردي هاو عام 1928 ولعب 26 موسماً في دوري الهوكي الوطني، منها 25 مع ديترويت ريد وينغز، وسجّل 801 هدف و1850 نقطة قبل أن يحطّم واين غريتزكي رقميه. وسُميت «ثلاثية غوردي هاو» باسمه، وهي تسجيل هدف وصناعة آخر والدخول في شجار خلال المباراة نفسها، كما ظل هاو يعبّر عن تقديره لمدينة ديترويت وجماهيرها.
وأودى الخرف بحياة غوردي هاو عام 2016، لكن ذكراه بقيت حاضرة في ديترويت وكندا. وبعد عامين من وفاته بدأ بناء الجسر الذي يحمل اسمه، واستغرق المشروع وقتاً أطول من المتوقع وارتفعت تكلفته إلى 4.5 مليار دولار، قبل اكتمال أعماله الرئيسية في فبراير الماضي.
ويُعد معبر ديترويت-ويندسور الحدودي أكثر المعابر التجارية البرية ازدحاماً بين البلدين، فكندا من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، والولايات المتحدة أكبر شريك تجاري لجارتها الشمالية. وقد باتت الطُّرق القديمة، نفقاً وجسراً، تعاني من ضغط متزايد لاستيعاب حركة المرور. وكانت صناعة السيارات بحاجة خاصة إلى جسر جديد يضم نقاط تفتيش جمركية إضافية ويرتبط مباشرة بشبكة الطرق السريعة الكندية.
وكما كان من الصعب إيقاف غوردي هاو على الجليد، واجه الجسر الذي يحمل اسمه عقبة بسبب ترامب، الذي أعلن أنه لن يُفتتح قبل أن تعامل كندا الولايات المتحدة «بالإنصاف والاحترام» اللذين تستحقهما.
استهدف ترامب الجسر في إطار ضغوطه على كندا، إذ طالبها بالتخلي عن سيادتها والانضمام إلى الولايات المتحدة باعتبارها الولاية الـ51. وبعد رفضها، فرض رسوماً جمركيةً على السيارات وقطع غيارها والصلب وسلع أخرى. لكن ترامب تجاهل حقيقة أن كندا قدّمت للولايات المتحدة صفقة سخيّة بتمويلها مشروع جسر غوردي بالكامل، ولن تسترد تكلفته إلا من خلال رسوم العبور على مدى نحو 50 عاماً.
وربما كان لجسر أمباسادور، الذي تملكه عائلة مورون، علاقة بتأخير افتتاح جسر غوردي، إذ ظل الجسر القديم شبه محتكر لحركة الشاحنات لنحو قرن، لكنه سيخسر جزءاً من إيراداته لصالح الجسر الجديد الذي يفرض رسوم عبور أقل.
وتحت ضغط «الديمقراطيين» وصناعة السيارات، تراجع ترامب عن موقفه، وأعلن اتفاقاً جديداً قال بموجبه إن الولايات المتحدة ستحصل على 50% من الأرباح. لكن وزير الإسكان الكندي غريغور روبرتسون قلّل من هذه الأرباح، مشيراً إلى التكاليف الكبيرة التي تحمّلتها كندا في بداية المشروع.
وجاءت تعليقات ترامب حول الصفقة الجديدة بعد أيام فقط من قوله إنه سيفرض رسوماً جمركية لمعاقبة كندا على سماحها لدخان حرائق الغابات بعبور الحدود إلى الولايات المتحدة.
التوتر مع ترامب دفع الكنديين إلى استبعاد الولايات المتحدة من احتفال افتتاح الجسر، واقتصر الحضور الأميركي على حاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر التي عبرته بسيارة موستانغ مكشوفة. وقد يصبح الجسر طريق الكنديين المفضّل إلى الولايات المتحدة ومنها.
وبالفعل، بدأ الكنديون يقللون زياراتهم إلى الولايات المتحدة ويستبدلون المنتجات الأميركية ببدائل أجنبية. وأظهرت دراسة حكومية أن زياراتهم إلى الولايات المتحدة انخفضت العام الماضي بمقدار 7.1 مليون زيارة، أي نحو 25% مقارنة بعام 2024، بينما تراجع إنفاقهم هناك بأكثر من ملياري دولار إلى نحو 13 ملياراً، بانخفاض 15%.
لقد كان ينبغي أن يكون جسر غوردي هاو الدولي بمثابة حلقة وصل مشتركة على طول أطول حدود دولية في العالم، ونُصب تذكاري لكندي عظيم أحب ديترويت. لكن هجمات ترامب ضد موطن غوردي هاو جعلت الكنديين أقل رغبةً في استخدام الجسر الذي يكرِّم اسمَه.
*صحفي متخصّص في تغطية قطاع صناعة السيارات
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


