جريدة الإتحاد - 8/9/2026 8:25:36 AM - GMT (+4 )
من بقي من أولئك السائقين للحافلات السياحية، والذين يعدون من أصدقاء السفر العابرين في حياتنا، لا يغادروننا دون أن يتركوا شيئاً منهم في ذاكرتنا المرتحلة، ذلك السائق الذي أوحى لي أنه سليل أسرة نبيلة، وحدها الحياة التي غلبها التمدن والتبدل في أوروبا جعلته أشبه ما يكون بحصان الحكومة المدرك أن أيامه قليلة، لكنه غير قادر على أن يجرب الركض في البرّية وحده نحو حريته وحتفه الذي يريده أن يأتي تحت ظل شجرة في منزله الريفي المتبقي له من إرث عائلته، لا برصاصة من مجند مستجد ترهبه لحظة مواجهة الموت، ولو كان حصاناً هرماً، كان ذلك السائق الأنيق والظريف، والذي بدا معتذراً لنفسه عن مهنة السياقة التي يرى في قرارة نفسه أنها لا تليق بنسل جده الأرستقراطي، ولا بما رأت أمه من عز في حياتها وأمسياتها المعطرة.
سلك بنا طريق نابليون بونابرت القديم بين سويسرا وفرنسا، وهو طريق متعب وممل، وكثير الانحناءات، لأنه شق لكي تطأه الخيول بسنابكها، والبغال بأحمالها التي لا تئن منها، فهو يمر بالقرى الكثيرة، والمنعطفات الوعرة، والسائق الظريف كان يسأل كل كيلومتر شخصاً قروياً، خاصة حين يلتقي طريقان أحدهما على يمينه والآخر على شماله، كانت ربكته واضحة من خلال عدم ثقته وهو يضع يديه على مقود السيارة، مع محاولة استعمال الرجل اليمنى المضطربة على دواسة التوقف، خارجة منه همهمات غير واضحة لذلك الجالس بجانبه، والذي كان قادراً بفرنسيته المتعثرة على أن يعبر الحدود السويسرية الفرنسية ولو كان وحيداً، إلا من كاميرا وحقيبة سفر.
توقفنا لتناول طعام الغداء، وكان حينها فرحاً بذلك المطعم الغالي الذي ربما عرفته عائلته يوماً ما، وقلقاً من أن لا يعجبنا، لأنه من اقتراحه، لذا أحياناً كنا نجده كمن يريد أن يخدّم علينا، ويسألنا عن التفاصيل، لكن درجة رضانا عن ذلك الاختيار كانت عالية، ومشجعة له لينطلق ويتحدث برحابة صدر معنا، وهو المهذب حد الملل، حتى تعتقد أنه لا يعرف أن يحكي نكتة أو يعلق بطريقة ساخرة على الأشياء، ولو كان مع زوجته وحدهما.
انطلق بِنَا بحافلته السوداء ساكناً في صمته المهذب والذي ينم عن تربية دينية كنائسية من جانب الأم، حتى أوصلنا للفندق الذي سننام في ليلة واحدة، في مكان أشبه ببقايا حديقة قصر أحد أمراء فرنسا الذين لم تمنحهم الحياة شيخوخة مستريحة، هناك سنتناول طعام عشائنا في مطعم قليلة عليه كلمة فاخر، وذي النجمتين «ميشلان» حسب تصنيف المطاعم الراقية، وقد زكيته ليلتها لينال النجمة الثالثة بامتياز.
قضينا ليلة أكثر من ألف ليلة، والتي تُعد في الحياة من مصادفات الفرص ومعطيات الحظ، كان المطعم خيالياً، مما ضاعف حظوظ سائقنا في أن تكون إكراميته عالية، وهذا ما شعر به ليلتها، لكنه لم يتيقنه حتى انتفضت يده اليمنى برعشة مستعجلة في باريس، وهو يستلم ذلك الظرف الفندقي السويسري المجاني، المزين بخطوط الريشة الإنجليزية وشعار ذهبي، صفة الفنادق الباذخة، وبدأت ابتسامة يمكن أن تخرج منه لأول مرة، لكنني لم أمنحه لحظة الشكر تلك التي تخرج عادة من شخص طيب حد أنك يمكن أن تناديه: خالي!
حين أوصلنا ذاك السائق، والذي بدأت أزيد من احترامه كخال لطيف، إلى باريس في اليوم الثاني، كان قد أصبح إنساناً مختلفاً، واطمأن لأنه نجح بمهمته في مهنة لم يطلبها في الحياة، خاصة في طريق لم تعبد لغير الخيول والدواب وتلك البغال التي لا تئن من النقل والثقل.
بعد تلك الرحلة الشاقة اعترف لي بأنه لم يكن سائق حافلة من قبل، ولم يكن يعرف هذا الطريق، لكنه سمع من أبيه عنه وهو في صغره، واعتقد أن الثلوج أخفته خلال تلك السنوات البعيدة «حتى جئتم من صحرائكم لتدلوني عليه، وأنا سعيد بتلك التجربة التي عادة لا يسمح بها عمري، غير أني سأحدث عنها زوجتي لأسابيع عديدة دون ملل».. ساعتها لاحظت ابتسامته لأول مرة!
إقرأ المزيد


