حين يصبح التعليم أثراً لا وظيفة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لا تُقاس قيمة التعليم بعدد المحاضرات التي يقدمها المعلم، ولا بكمية المعلومات التي يستوعبها الطالب، وإنما بما تتركه التجربة التعليمية في العقل والوجدان من أثر يظل حاضراً بعد انتهاء الدراسة. فالمعلومات قد تتبدل أو تُنسى، أما الرغبة في المعرفة، والشجاعة في السؤال، والثقة بالقدرة على التفكير، فهي الثمرة الأعمق للعملية التعليمية.

حين يدخل المعلم قاعة الدرس، فإنه لا يقف أمام مجموعة من الطلبة ليؤدي مهمة تنتهي بانتهاء الوقت، بل أمام عقول تتشكل، وقدرات تنتظر من يكتشفها، وأحلام قد تغير مسارها كلمةُ تشجيع أو لحظة حوار صادقة. ومن هنا، يصبح التعليم رسالة تتجاوز حدود الوظيفة، لأن أثر المعلم لا يتوقف عند ما يقدمه من معرفة، بل يمتد إلى الطريقة التي يرى بها الطالب نفسه والعالم.

إن الطالب لا يحتاج دائماً إلى من يقدم له الإجابات الجاهزة، بل إلى من يعترف بحقه في السؤال، ويمنحه مساحة للتأمل والمناقشة، ويساعده على الوصول إلى المعرفة بنفسه. وعندما يشعر بأن صوته مسموع، وأن رأيه يستحق الإصغاء، تتحول قاعة الدرس من مكان للتلقي إلى فضاء للحوار، ويصبح الطالب شريكاً في بناء المعرفة، لا متلقياً سلبياً لها.

وفي تدريس الأدب واللغة العربية تتضح هذه المسؤولية بصورة أكبر، فنحن لا نقدم قواعد لغوية أو نصوصاً منفصلة عن الحياة، وإنما نقترب من الإنسان في علاقته بذاته ومجتمعه والآخر. ولا تكتمل قراءة النص الأدبي باستخراج صوره وأساليبه، بل تبدأ قيمتها الحقيقية حين نسأل: ماذا يقول لنا النص اليوم؟ وكيف يساعدنا على فهم تجاربنا؟ وما القيم التي يوقظها في وعينا؟ بهذا الفهم، يصبح الأدب مساحةً لبناء الإنسان، وتغدو اللغة وسيلة للتعبير والتواصل وصون الهوية، لا مادة دراسية تنتهي بانتهاء الاختبار.

وتعليم العربية، ولا سيما للناطقين بغيرها، لا يقتصر على إتقان المفردات والتراكيب، بل يفتح نافذة على الثقافة العربية وقيمها الإنسانية، ويبني جسراً للتعارف والتسامح بين الشعوب. وأجمل لحظات التعليم ليست بالضرورة تلك التي يعتقد فيها المعلم أنه قدم شرحاً متقناً، وإنما اللحظات التي يرى فيها فكرة تلمع في عين طالب، أو يسمع سؤالاً يكشف عن بداية وعي جديد، أو يقرأ عملاً تجاوز صاحبه فيه ما كان يظنه حدود قدرته. في هذه اللحظات يدرك المعلم أن ما حدث لم يكن نقلاً للمعلومة فقط، بل إيقاظاً للشغف.

غير أن صناعة الأثر مسؤولية دقيقة، فالمعلم قد يبني الثقة بكلمة، وقد يضعفها بكلمة أخرى. وقد يفتح أمام الطالب باب التجربة، أو يزرع فيه خوفاً من الخطأ يمنعه من المحاولة. لذلك يحتاج التعليم إلى المعرفة والرحمة معاً، لأن الطلبة لا يتعلمون بالطريقة نفسها، ولا يسيرون إلى الفهم بالسرعة ذاتها. وليست مهمة المعلم أن يصنع منهم نسخاً متشابهة، بل إن يساعد كل طالب على اكتشاف صوته وقدرته ومساره. وقد لا يظهر أثر التعليم في اللحظة نفسها. ربما تمضي أعوام قبل أن يستعيد الطالب فكرة سمعها في محاضرة، أو موقفاً شعر فيه بأن معلمه آمن بقدرته.

وقد يكتشف المعلم لاحقاً أن لحظة بدت له عابرة كانت نقطة تحول في حياة أحد طلابه. وهنا يكمن جمال التعليم: نزرع ولا نشهد دائماً مواسم الحصاد، لكن ما نزرعه يواصل نموه في حياة الآخرين. إن رؤية دولة الإمارات للتعليم تؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، ولذلك لا ينبغي أن تكون غاية المؤسسات التعليمية تخريج حاملين للشهادات فقط، بل إعداد أفراد يمتلكون المعرفة والقيم والمسؤولية والقدرة على الإسهام في مجتمعهم.

فالجامعة ليست مكاناً لمنح المؤهلات فحسب، وإنما فضاء لصناعة الوعي، وبناء الشخصية، وتنمية القدرة على الحوار والابتكار. وحين يصبح التعليم أثراً، لا يعود الطالب رقماً في قائمة أو درجة في سجل، بل مشروع إنسان يحمل إمكانات تنتظر الاكتشاف. ولا يعود السؤال: كم درساً قدمنا؟ بل: كم عقلاً أيقظنا؟ وكم نافذة فتحنا؟ وكم طالباً ساعدناه على أن يرى في نفسه ما لم يكن يراه؟ عندها يصبح التعليم أثراً لا وظيفة، وتكون أجمل إنجازات المعلم تلك التي تمضي في الحياة بأسماء طلابه.

*رئيس قسم اللغة العربية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.



إقرأ المزيد