هل تعود أوروبا إلى القوة الصلبة؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 منذ نهاية حقبة الحرب الباردة، كانت أوروبا تنظر إلى التكامل الاقتصادي والدبلوماسية متعددة الأطراف والتعاون الدولي على أنها أدوات رئيسية تقوم عليها مبادئ نفوذ الاتحاد الأوروبي وقوته. صحيح أن القوة العسكرية لا تزال مهمة، ولكنها غالباً ما كانت عاملاً داعماً لسياسة التعاون، ولم تكن في مركز السياسة الأمنية الأوروبية.

والآن، يمكننا أن نشاهد أن هذه الاستراتيجية بدأت بالتغير، إذ إن العديد من التحديات الجيوسياسية، مثل الحرب الروسية-الأوكرانية والمنافسة المحتدمة بين القوى الكبرى كالولايات المتحدة والصين، فرضت على الحكومات الأوروبية الحالية أن تغيّر التفكير في معادلتها للأمن والازدهار.

ولا يعني ذلك أن أوروبا ستهجر التزامها بالدبلوماسية والتعاون الدولي، ولكنها أصبحت تدرك أهمية القوة الصلبة في عالم اليوم بشكل أكبر. يتجلى هذا التحول في الخطاب السياسي الأوروبي، وفي السياسات الملموسة أيضاً، فالعديد من الدول الأوروبية أقرت، خلال السنوات الأربع الأخيرة، زيادة ملحوظة في ميزانيات الدفاع، وتسارعت برامج التسلح، وأعادت بعض الحكومات الأوروبية النظر في الاستثمار في صناعاتها الدفاعية التي تراجعت خلال عقود من الاستقرار النسبي، والتوجه الأوروبي إلى طرق تأثير أخرى.

ولم تعد الخطط الطويلة الأمد في المجال العسكري تقتصر على اقتناء الأسلحة المتطورة، وإنما أصبحت تركز كذلك على ضمان القدرة المستدامة على إنتاج الذخائر والصواريخ والطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية الحيوية بما يتناسب مع تحولات قواعد الحرب والاشتباك، في ظل ما نراه اليوم في مختلف أمثلة المواجهات. ويعكس هذا التحول درساً أساسياً فرضته هذه الصراعات الحديثة، وهو أن الردع المتوازن لا يعتمد على التفوق التكنولوجي فحسب، وإنما على استدامة ما هو مصنَّع وما هو مخزَّن أيضاً. ففيما لا تزال الصواريخ الدقيقة والطائرات القتالية المتطورة والأنظمة الدفاعية الجوية المتقدمة ركائز أساسية للقوة العسكرية، أصبحت الحروب تختبر أيضاً مخازن الدول وقدرتها على تعويض احتياطياتها، وتأمين سلاسل الإمداد العسكرية والصناعية، والحفاظ على «نسق» العمليات العسكرية فترات طويلة.

وبذلك، فإن المرونة الصناعية تحولت إلى أصل استراتيجي لا يقل أهمية عن القدرات القتالية نفسها. وبالإضافة إلى سعي أوروبا لتقليل اعتمادها على الخارج في منظومتها الأمنية، فقد تعلمت القارة أن الإفراط في الاعتماد على الشركاء الدفاعيين الخارجيين، كالولايات المتحدة الأميركية، قد يفرض عليها سيناريوهات لا تتفق معها بالشكل الكلي على الأقل، وقد يُستخدم كورقة ضغط ضدها. ومن هذا المنطلق، باتت الحكومات الأوروبية تنظر إلى التحديث العسكري الذاتي على أنه إحدى أهم ركائز المرحلة المقبلة والمناعة الوطنية.

هذا التحول يعكس إدراكاً أعمق بأن الدبلوماسية الفاعلة لا يمكن أن تنجح من دون امتلاك قدرات ردع موثوق بها، فالتاريخ يبين أن نجاح الدبلوماسية يرتبط أيضاً بقدرة الدول على حماية مصالحها إذا ما أخفقت المفاوضات.ويمتد أثر هذا التركيز المتجدد على القوة الصلبة إلى ما هو أبعد من أوروبا نفسها، فبالنسبة لمناطق، مثل الخليج العربي، فإن هذا التحول الاستراتيجي الأوروبي يفتح آفاقاً جديدة، لكنه يفرض في الوقت ذاته مسؤوليات مشتركة.

فقد استثمرت بعض دول الخليج بصورة كبيرة في تطوير صناعاتها الدفاعية، وتحديث قواتها المسلحة، وتنويع شراكاتها الدولية، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة. وتوفر هذه المسارات المتوازية فرصاً واسعة لتعزيز التعاون في مجالات تشمل الصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، والأمن البحري، وحماية البنية التحتية الحيوية. لذلك، فإن العلاقة بين أوروبا ودول الخليج قد تتحول بشكل تدريجي من شراكة تعتمد بشكل أساسي على التجارة والطاقة إلى شراكة استراتيجية تمتد إلى الشراكات العسكرية والاستثمار الدفاعي. فكلا الجانبين يتقاسمان مصلحة مشتركة في حماية الممرات البحرية، وضمان استقرار أسواق الطاقة، ومواجهة التهديدات الأمنية المستجدة، والحفاظ على نظام تجاري عالمي مفتوح.

ومع تصاعد حدة المنافسة الجيوسياسية الدولية، تزداد أهمية التعاون بين الشركاء الذين تجمعهم مصالح استراتيجية متقاربة. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي فهم هذا الإدراك والتحول الأوروبي بزيادة الإنفاق والاستثمار العسكري بأنه تراجع عن الالتزام بالتعددية أو بالمؤسسات الدولية. بل على العكس، لا تزال الحكومات الأوروبية تؤكد أهمية التحالفات والمنظمات الدولية، والحوار الدولي المرتكز على قيم التعاون.

غير أن هذه الشراكات باتت تستند، بشكل أكبر في عالم اليوم، إلى قدرات عسكرية واستثمارات دفاعية ملموسة تدعمها. إن الاعتقاد بأن الترابط الاقتصادي وحده كفيل بضمان السلام هو اعتقاد معيب، ومن المنطقي أن يحل محله إدراك أكثر واقعية للمخاطر الاستراتيجية.

*باحث رئيسي/ نائب المدير العام لمركز تريندز للبحوث والاستشارات.
     



إقرأ المزيد