فلوريدا.. شركات التأمين ومعضلة المناخ
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

من المُفترض أن تكون الولايات الأميركية مختبرات للديمقراطية، تبتكر فيها حلولاً محلية للمشكلات الوطنية وتختبرها. لكن على أرض الواقع، تنتج بعض هذه المختبرات تجارب لا يُستحسن أن تحذو الولايات الأخرى حذوها.
وبالنظر إلى حلول فلوريدا لأزمة التأمين على المنازل التي تضرب الولاية بقوة، نجد أنها تُصعب على أصحاب المنازل مقاضاة شركات التأمين، بحجة أن الدعاوى القضائية التافهة هي سبب ارتفاع الأقساط وتخلي شركات التأمين عن الولاية. وليس من المُستغرب أن شركات التأمين وافقت على هذه الحجة، بل وتحاول إقناع ولايات أخرى بها.
لكن النتائج اختلفت عما وعد به المؤيدون، فالأسباب الجذرية لارتفاع أقساط التأمين تتمثل في المناخ الأكثر حرارة وخطورة، وتدفق السكان إلى المناطق الأكثر عُرضة للخطر، مثل فلوريدا. وتُعد الدعاوى القضائية في أحسن الأحوال قضية هامشية.
وأقرت فلوريدا عام 2023 قانوناً جديداً لإصلاح المسؤولية التقصيرية، وزعم مسؤولو الولاية أنه خفض الأقساط، وجذب شركات تأمين جديدة، وساعد على نقل أصحاب المنازل من شركة «سيتيزنز للتأمين على الممتلكات»، التي تؤدي دور الملاذ الأخير في الولاية. ورغم انخفاض الأقساط 3% عام 2024، لا يوجد دليل على أن الإصلاح كان وراء ذلك، بل قفزت 18% عام 2025، مع توقع ارتفاعها 2% العام الجاري.
ولا تزال فلوريدا صاحبة أعلى أقساط تأمين في البلاد، بمتوسط 8292 دولاراً سنوياً، أي أكثر من ثلاثة أمثال المتوسط الوطني، وبفارق كبير عن لويزيانا، الثانية بمتوسط 5050 دولاراً. كما ارتفعت نسبة المطالبات المرفوضة من 30% عام 2023 إلى 40% عام 2024، قبل أن تنخفض إلى 34% عام 2025، ورفعت 11 شركة تأمين نسبة المطالبات التي أغلقتها دون دفع تعويض منذ 2023.
ووفقاً لشركة «وايس ريتينغز»، أدى إصلاح المسؤولية التقصيرية إلى عدد من الدعاوى أكبر من أي وقت مضى، فقد رفع أصحاب المنازل العام الماضي 143 دعوى لكل 1000 مطالبة مرفوضة، أي نحو11 ضعف المتوسط الوطني، مقارنة ب124 دعوى عام 2022. وهكذا، لم يؤد الإصلاح إلى خفض الأسعار ولا عدد الدعاوى.
أما شركات التأمين الجديدة، فترى «وايس» وشركات أخرى أن العديد منها لا يملك رأسمالاً كافياً للتعامل مع كارثة كبيرة. وأخفقت سبع شركات في اختبارات الضغط التنظيمية عام 2024، أي ضعف معدل 2023. كما وجدت دراسة عام 2025 أن أربعاً من شركات التأمين الـ16 الجديدة كانت شركات مُعسرة أُعيد هيكلتها أو لها صلات بشركات متعثرة مالياً، وفُرضت غرامات على أربع شركات لسوء إدارة مطالبات أضرار الأعاصير.
وانتقل كثير من أصحاب المنازل الذين غادروا شركة التأمين التي تؤدي دور الملاذ الأخير إلى سوق التأمين «غير المعتمد» أو «الفائض»، وهو سوق محدود التنظيم ومرتفع التكلفة. وكانت هذه الوثائق تقتصر سابقاً على العقارات التي يصعب تأمينها، مثل مصانع الألعاب النارية، أما الآن فأصبحت تستحوذ على حصة متزايدة من سوق التأمين على المنازل في فلوريدا وكاليفورنيا.
وطبقت فلوريدا إصلاحات المسؤولية التقصيرية مراراً منذ الثمانينيات، لكن دراسات وطنية منذ عام 1999 أظهرت أنها لا تفيد العملاء. وتقدم تكساس مثالاً آخر، ففي 2017 قلصت قدرة أصحاب المنازل على مقاضاة شركات التأمين وخفضت العقوبات على رفض المطالبات بصورة غير مشروعة. ورغم إلقاء اللوم على الدعاوى، كان السبب الحقيقي ارتفاع العواصف البَرَدية ورفض مطالبات أضرار البَرَد. وقفز متوسط قسط التأمين على المنازل في تكساس 57% بين 2017 و2024، وارتفع 14% في 2025، بينما قفزت نسبة رفض المطالبات إلى 47% عام 2024، مقابل 35% عام 2004.
ورغم هذا الفشل، أقرت جورجيا قانوناً مماثلاً العام الماضي، بينما أنشأت مينيسوتا فريق عمل لدراسة الفكرة. وتحقق شركات التأمين أرباحها من الأقساط واستثمارها، إذ تحصل على 8.8 مليون دولار عن كل يوم تؤخر فيه دفع مطالبة، وحققت 405 مليارات دولار من الأرباح خلال السنوات الثلاث الماضية رغم ارتفاع الكوارث الناجمة عن تغير المناخ.ومع ذلك، يمكن للتأمين أن يساعد في الحفاظ على أسعار المساكن في المتناول والتكيف مع تغير المناخ. قد لا تكون أقساط التأمين المرتفعة في بعض الحالات سيئة إذا كانت تُرسل إشارات حقيقية حول مخاطر المناخ وشجعت أصحاب المنازل على الانتقال أو تحصين ممتلكاتهم ضد الكوارث. أما التهرب من المساءلة فلا يدل إلا على الجشع.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ. 



إقرأ المزيد