اللعبة المكشوفة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

المراوغات التي حذّرنا منها حينما تم الإعلان عن «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران، أصبحت واقعاً نعيشه اليوم بكل وضوح، وهو ما يعني أن الاتفاق قد سقط قبل أن يجف الحبر الذي كتب به. وبينما تضرب أميركا بعنف العديد من المواقع والأهداف الإيرانية، يواصل الحرس الثوري قرصنته في الممرات المائية الحيوية، بتأكيده منع عبور السفن من مضيق هرمز، مُستهدفاً حريّة الملاحة واستقرار الاقتصاد العالمي. 
حصار المضيق -أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم- يأتي كأداة ضغط وابتزاز مباشر للمجتمع الدولي، حيث تستغل طهران التحكم فيه لفرض أمر واقع بالقوة، واستهداف سلاسل الإمداد العالمية، مما يعرّض الأمن البحري والسلم الدولي لخطر دائم. 
وكما نرى، الاقتصاد العالمي يختنق وهناك شبح أزمة طاحنة تلوح في الأفق ربما تتجاوز في تأثيرها ما جرى إبان أزمة الركود والكساد عام 2008، مع ما تواجهه حركة النقل من صعوبات تعيق وصول البضائع والمنتجات من موقعها إلى مختلف دول العالم. 
بحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، فإن العالم على حافة موجة جديدة من تضخم أسعار المواد الغذائية بحلول نهاية العام الجاري، ومن المؤكد أنها سترتفع أكثر العام المقبل، بسبب الحرب سواء في إيران أو في أوكرانيا، ما يفرض على المؤسسات الدولية سرعة التحرك، لإنقاذ الموقف ووضع حد لما يعانيه الاقتصاد العالمي. 
وهنا ينبغي الإشارة إلى المساعي الإماراتية قبل أسابيع حينما نادت بتحرك دولي تحت مظلّة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لحماية الملاحة في مضيق هرمز، ووضع حد لأعمال البلطجة، ودعا سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، المجتمع الدولي «للتعاون من أجل تأمين الملاحة الدولية وتأمين وصول الطاقة».
وفي محاولة لحلحلة الوضع المتأزم، قدمت سلطنة عُمان مقترحاً يحظى بدعم إقليمي لإدارة مضيق هرمز، المقترح قائم على وضع آلية مشتركة لإدارة المضيق تشمل رسوماً طوعية، على غرار المتبع في مضيق ملقة (بالتوافق بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة)، حيث يسهم مستخدموه طوعاً في تمويل عمليات الملاحة وحماية البيئة والبحث والإنقاذ، لكن إيران رفضته -كما كان متوقعا- بما يكشف نواياها الحقيقية. 
من يتابع مجريات الحرب سوف يكتشف، أن القوات الأميركية لم يعد لديها أهداف تضربها، وخلال الأيام الماضية تواصلت عمليات قصف المواقع استراتيجية ولحق بالبنية التحتية الإيرانية خسائر يصعب معالجة آثارها في الوقت القريب، ووفق القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، فإن الضربات استهدفت مراكز القيادة العسكرية ومواقع الدفاع الجوي ‌والمراقبة الساحلية والقدرات البحرية ومواقع إطلاق ⁠الصواريخ والطائرات المسيرة وشبكات الاتصالات.
لا شك أن المتضرر الأكبر هو الشعب الإيراني الذي وقع فريسة بين مطرقة الأميركان وسندان نظامه السياسي الذي أورده المهالك، وبالمناسبة إيران ليست دولة فقيرة بل تمتلك ثروة نفطية، لكن قادتها بكل أسف استغلوها في زعزعة أمن المنطقة بدلاً من توظيفها في خدمة الشعب ورعاية مصالحه.
 وفي هذا السياق فإن إصرار طهران على جر دول المنطقة إلى الحرب بمواصلتها العدوان واستهداف المنشآت الخدمية، هو في جوهره عدوان على النموذج التنموي الناجح الذي حققته دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقود الماضية، بفضل الرؤية الحكيمة للقيادات الرشيدة التي سخّرت موارد البلاد في عمليات الإعمار والبناء، وكان من ثمارها تحقيق طفرة هائلة في بنيتها التحتية لينعم أهل الخليج بحياة مستقرة تتوفر فيها كل سُبل الرفاهية والعيش الرغيد. 
محاولات إيران لاستدراج دول المنطقة إلى الحرب لا تتوقف.  لقد سئمنا استمرار الأوضاع على هذا النحو، خاصة في ظل عشرات التصريحات اليومية والمتضاربة من الطرفين الإيراني والأميركي، والتي نستخلص منها استمرار الأزمة، وفي حين تدور المباحثات حول فتح مضيق هرمز– الذي كان يعمل بكل سلاسة قبل اندلاع الحرب-، اختفى تماماً الحديث عن الملف النووي الإيراني وما يمثله من تهديد لأمن واستقرار المنطقة.
وهو وضع يدعو دول المنطقة -أكثر من أي وقت مضى- إلى ضرورة تنظيم صفوفها وتوحيد رؤيتها وتحديد بوصلتها وفرض إرادتها وتأكيد سيادتها والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى محرقة لا تبقي ولا تذر.



إقرأ المزيد