سباق المستقبل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في الإمارات التفكير دائماً خارج الصندوق، والتساؤلات الإيجابية تصنع الفارق، وعندما يُطرح التساؤل الرؤيوي، ماذا لو أصبحت الحكومة قادرة على معرفة السؤال قبل أن يصلها، والحاجة قبل أن يعبّر عنها صاحبها، والمشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة؟ وهنا تحديداً يبدأ الحديث الجدّي عن الذكاء الاصطناعي في العمل الحكومي.
في الإمارات، لم يَعُد الذكاء الاصطناعي ملفاً تقنياً يمكن وضعه على جدول أعمال الإدارات المختصة، ثم الانتقال إلى ملفٍّ آخر. المشروع أكبر من ذلك. نحن أمام جهود لإعادة صياغة آلة العمل الحكومي نفسها، بحيث تصبح أكثر قدرةً على الفهم والتحليل والاستشراف واتخاذ القرار.
ورشة «مسار العمل الحكومي الاستراتيجي»، بمشاركة 100 مسؤول حكومي، التي انعقدت مؤخراً تُقدم صورة واضحة عن الاتجاه. هناك هدف محدّد: تحويل 50 % من العمليات والإجراءات والخدمات الحكومية إلى نماذج مدعومة بالذكاء الاصطناعي المساعد خلال عامين. بحسب قرار مجلس الوزراء الموقَّر، الرقم - على أهميته - ليس القصة كلها.
القصة الحقيقية هي ما سيحدث خلف هذا الرقم. عندما تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد إلى الاستراتيجية والسياسات والاستشراف والأداء والابتكار، فإننا لا نتحدث عن موظف ينجز معاملة في دقائق بدلاً من ساعات. نحن نتحدث عن حكومة تمتلك قدرة جديدة على قراءة التفاصيل وربطها، واستخراج المعنى من البيانات، واكتشاف الإشارات المبكرة، ثم تحويلها إلى قرار. وهنا يصبح السؤال مختلفاً: هل نريد أداءً حكومياً أسرع، أم حكومة ترى أبعد؟ الإمارات تبدو ذاهبة إلى الخيارين معاً.
والأهم أن الإنسان لم يُدفع إلى الخلف. على العكس، الرسالة التي يطرحها المشروع واضحة: «الإنسان يقود والذكاء الاصطناعي المساعد يمكّن». أي أن الآلة لا تستلم عجلة القيادة، لكنها تمنح من يقودها رؤية أوسع وأدوات أدق.
هذه النقطة ستُحدد نجاح التجربة. فالتكنولوجيا وحدها لا تصنع حكومة ذكية. الحكومة تصبح ذكية عندما تتغير طريقة التفكير معها، عندما تتراجع الازدواجية، وتتشارك الجهات المعرفة، وتتصل المهام بالنتائج، ويصبح القرار مبنياً على قراءة مستمرة للمشهد، لا على انتظار ما سيحدث ثم التعامل معه. لهذا فإن «حكومة الإمارات 4.0» ليست سباقاً لامتلاك أحدث الأدوات. إنها سباق على الزمن نفسه.
من يستطيع أن يرى التغيير أولاً، ويتحرك قبله، ويصمّم خدمته قبل أن يطلبها الناس، سيكون أقرب إلى حكومة المستقبل. أما انتظار المستقبل حتى يصل، ثم الاستعداد له، فلم يَعُد كافياً. في تجربة الإمارات المُلهمة، الفكرة أبسط وأصعب في الوقت نفسه: الحكومة لا تلحق بالغد.. وإنما تصل إليه قبله، المستقبل ها هنا. وقد عوّدتنا قيادتنا أن نكون في سباق متواصل مع المستقبل.



إقرأ المزيد