جريدة الإتحاد - 8/11/2026 12:25:28 AM - GMT (+4 )
بعض الوجوه تتأملها وكأنك تقرأ رسالة غامضة نزلت عليك من مكان مجهول، وتظل تتأمل التفاصيل وتستدعي الذاكرة، كي تسعفك لفهم المعجم اللغوي لكل كلمة كتبت على جبين شخص، ولكن لا تجد مثل تلك المفردات في المعجم ما يقرّبك من المعنى. فتضطر لأن تتذكر كلمات تلك المرأة العجوز التي وُصفت في زمانها بأنها قارئة فنجان، فكانت عندما تزور بيتك وتجتمع مع الأم الرؤوم، تفتح باب النقاش حول طبائع الناس، وتصفها مثل ثمرات النخيل بأنها متمايزة، في كل أحوالها في اللون والطعم والحجم والشكل.
وكنت أنت صغيراً ولكن يلفت نظرك هذا التعبير، وتظل تتفحص وجهها وهي تقلب عنقاً مثل غصن تين، وتغرس نظرها في عيني المرأة الهامدة مثل حبة رطب ألقاها عصفور مشاغب على الأرض، تظل أنت تمارس هواية التطفل والفضول الجميل، بينما المرأة قارئة الفنجان منهمكة في عملها بدأب وفراسة، تبدو وكأنها طبيب جراح، يتفحص جسماً غريباً بدا له عبر الأشعة في مكان مغلق ومعقد في الجسم الذي يطالعه. وبعد فترة غير وجيزة، رفعت قارئة الفنجان ونظرت إلى المرأة الهامدة، وقالت: يا إلهي، الناس أجناس، وكل له سماته وخصاله، وها زوجك يبدو لي غريباً، في نظراته، ولكني لا أستطيع أن أضع في ذمتي شيئاً ما تكرهينه، ولكن عليك الحذر، والاحتراس من غدر الأيام، لأن الأيام مثل معطف رجل فقير، فقد يبدو لك أنه خاوٍ، ولكن الكثير من فقراء العالم نراهم هكذا، ونعتقد أنهم معدمون، ولكن الحقيقة عكس ذلك تماماً.
من هذه الحكاية، ربما يستفيد المرء، في تحديد مواقفه من البشر، ولا أحض على الشك في الناس، ولكن أدعو إلى الاحتراس من الخديعة البصرية، فكم غدرت، وكم تعثر الناس البسطاء في حفرها، ولما انتبهوا وجدوا أنفسهم في الفخاخ، مثل طيور وقعت بين أيدٍ لئيمة في لحظة غفلة، وبعد فوات الأوان لا تنفع الدموع ولا الحسرات ولا الآهات، لتبقى الخفقة درساً يستفاد منه في مواجهة اللاحق من الوجوه التي قد تظهر بياناً مرتبكاً، وتنتهي المسألة بمعضلة، ونكون حينها قد وقعنا في المصيدة.
كل المخلوقات تعرف إن كانت غاضبة أو مترفة بالسعادة، إلا الإنسان، هذا الصندوق الأسود، محكم الإغلاق، فلا يمكن أن تعرف مشاعر إنسان عندما لا يريد الإفصاح عن داخله، إن كان سعيداً أو حزيناً أو غاضباً أو غير مبالٍ، الإنسان رسالة مغلقة لا يعرف مكنونها إلا صاحبها، الأمر الذي يعقد العلاقات الاجتماعية ويجعلها مثل أحفورة غابت معالمها، وعجز العلماء عن فك رموزها.
الإنسان يملك من القدرات ما يمكنه من تفويت الفرص على الفضوليين والمتطفلين، على استغلال حالته، ولا يستطيع أحد أن يفتح الرسالة إلا بإرادة صاحب الرسالة، وفي هذه العقدة، المكينة مضار ومسرات، ومن أعظم سيئاتها أن الإنسانية منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا - ولم تزل- كنز ثقافي مجهول، ومهما بلغ العلم من تقدم، وازدهار، يبقى الإنسان ذلك الجبل الذي يخبئ تحته صخرة جسارته.
إقرأ المزيد


