جريدة الإتحاد - 8/11/2026 10:58:43 PM - GMT (+4 )
يبدأ تأثير التنظيم المغلق قبل أن يطرق الإنسان بابه. ففي لحظات البحث عن المعنى، أو الحاجة إلى الانتماء، أو الرغبة في تجاوز العزلة والارتباك، تبدو الجماعة وعداً باليقين، وأسرةً تمنح الدفء، ورسالةً تمنح الحياةَ اتجاهاً.
وما أن يجد الإنسانُ مَن يصغي إليه، ويحتضنه، ويخبره بأن له مكاناً ورسالةً ودوراً، حتى تبدأ أولى حلقات الارتباط النفسي، وهي الحلقة التي كثيراً ما تكون أعمق من أي التزام تنظيمي لاحق. يتقدم الانتماءُ بعد ذلك بخطوات هادئة لا تُشعِر صاحبَها بأنه يتغير. تتبدل مصادر الثقة، ويضيق مجالُ المرجعيات، وتصبح الجماعةُ الإطارَ الذي تُقرأ من خلاله الأحداثُ والأشخاصُ والأفكار.
وشيئاً فشيئاً، تتحوّل القناعة إلى هوية، والهوية إلى عدسة يَنظر بها الإنسانُ إلى العالم، وعندها لا يعود التنظيمُ مجردَ تجربة في حياته، بل يصبح جزءاً من الطريقة التي يفكر بها، ويشعر بها، ويحكم بها على نفسه وعلى الآخرين.
وفي هذه المرحلة تنشأ رابطةٌ نفسية شديدة التعقيد، فالفرد لا يتعلق بالتنظيم وحده، بل يتعلق بالصورة التي كوّنها عن نفسه داخله. ولذا يصبح الاعترافُ بخلل التجربة وفسادها مؤلماً، لأنه لا يمس فكرةً مجردةً، وإنما يوقظ أسئلةً ثقيلةً عن سنوات العمر، والاختيارات، والعلاقات، والتضحيات.. ولهذا يميل كثيرون، من حيث لا يشعرون، إلى حماية الصورة القديمة أكثر مِن بحثهم عن تفسير جديد للواقع. ومع مرور الوقت، يعيد التنظيمُ تشكيلَ العادات الذهنية قبل أن يعيد تشكيلَ المواقف.
تتراجع مساحةُ التساؤل الحر، ويزداد الاعتمادُ على التفسير الجاهز، ويصبح الاختلافُ عبئاً نفسياً أكثر منه فرصةً للفهم.
ويَظهر داخل الإنسان رقيبٌ خفي يراجع كلماتِه، ويقيس أفكارَه، ويرسم حدودَ المقبول والمرفوض حتى في غياب أي رقابة خارجية. وهذه هي اللحظةُ التي يبلغ فيها التنظيمُ أعلى درجات تأثيره، حين يتحول من سلطة خارج النفس إلى سلطة مستقرة في أعماقها. وعندما يقرر الإنسانُ المغادرةَ، يكتشف أنَّ الخروجَ من الباب أسهل من الخروج من الذاكرة.
فالمكان يغيب، بينما تبقى عاداته الذهنية حاضرة. تتبدل العلاقاتُ، ويبقى الصوتُ الداخلي الذي تَعلّم كيف يفسر الأشياءَ، وكيف يمنح الثقةَ، وكيف يثير الخوفَ.. ولهذا يشعر كثيرٌ من الخارجين بأنهم غادروا تنظيماً، لكنهم لم يغادروا أثرَه. وتبدأ معاناةٌ مِن نوع آخر، إذ يحتاج الإنسانُ إلى إعادة بناء ثقته بنفسه، واستعادة قدرته على التفكير دون وصاية، وإعادة اكتشاف العالم خارج القوالب التي اعتادَها. إنها رحلة شاقة، لأن ما يُعاد بناؤه ليس رأياً واحداً، بل صورة كاملة عن الذات، وعن الناس، وعن معنى الانتماء نفسه. وتنجح قلةٌ في عبور هذه المرحلة، حين تدرك أن الكرامة لا يمنحها تنظيمٌ، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بدرجة قربه من جماعة، وأن الحقيقة أوسع من أي إطار بشري، وأن الانتماءَ الناضجَ يفتح العقلَ ولا يغلقه، ويمنح الإنسانَ القدرةَ على الإنصاف قبل القدرة على الانتصار.
لهذا لا يُقاس التحرر بعدد السنوات التي مضت على مغادرة التنظيم، ولا بحجم النقد الذي يوجه إليه، وإنما بقدرة الإنسان على استعادة سيادته على وعيه. فعندما يصبح قادراً على الإصغاء دون خوف، والمراجعة دون شعور بالانهيار، والاعتراف بالخطأ دون أن يفقد احترامَه لذاته، يكون قد استعاد أهمَّ ما يمكن أن يمتلكه الإنسانُ: حريته الداخلية. الخطر الحقيقي في التنظيمات المغلقة لا يكمن في كونها تستقطب الأتباعَ، وإنما في كونها قد تستقر طويلًا في طريقة تفكيرهم.. أما التعافي الحقيقي فيبدأ يوم يعود الإنسان إلى امتلاك عقله، فلا يقوده الخوف، ولا تحكمه الذاكرة، ولا تحدد له الجماعةُ كيف يرى نفسَه وكيف يرى العالم.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة
إقرأ المزيد


