جريدة الإتحاد - 8/12/2026 10:55:50 PM - GMT (+4 )
في ظل المناخ السياسي السائد في الولايات المتحدة، قد يظن المرءُ أن البلادَ قد انزلقت إلى حقبة مظلمة من التراجع في مجال الطاقة، إذ تحرق النفط والغاز والفحم، وتُهمل مزارع الرياح والطاقة الشمسية. لكن في الواقع، يبدو أن العصر الذهبي للطاقة المتجددة في الولايات المتحدة قد بدأ، ليس فقط رغم الظروف السياسية، بل جزئياً بسببها.
وتشير البيانات الأولية لوكالة معلومات الطاقة الأميركية حول المشاريع المخطط لها إلى أن البلادَ تسير على الطريق الصحيح لتركيب ما يقارب 85 جيجاوات من قدرات توليد الكهرباء خلال الاثني عشر شهراً القادمة. ومن هذه القدرة الجديدة، سيتم توليد حوالي 90% منها بوساطة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات. أما الغاز الطبيعي، وهو حالياً أكبر مصدر للطاقة في البلاد، فسيمثل 9% فقط من القدرة الجديدة. وتُشكل الطاقةُ الحرارية الأرضية والطاقة الكهرومائية جزءاً ضئيلاً مِن مصادر أخرى.
ورغم جهود الرئيس دونالد ترامب الحثيثة لإحياء الفحم، فإن هذا الوقود العتيق لن يشكل أيَّ نسبة من القدرة الإنتاجية الجديدة. وفي الواقع، يحدث ازدهار الطاقة المتجددة رغم نهج إدارة ترامب الشامل في تجاهل تغير المناخ، ومعارضة الطاقة النظيفة، ودعم الوقود الأحفوري كي يحقق أرباحاً مرتفعةً لدرجة تثير القلق السياسي.
كما أن هجمات ترامب المتقطعة على إيران، وتشجيعه لإطلاق الذكاء الاصطناعي بلا قيود، جعلت الطاقةَ المتجددةَ أكثر جاذبيةً، وذلك لأنها لا يمكن أن تتعطل في مضيق هرمز مثلاً. وإذا كنت تُنشئ مركز بيانات على عجل لإرضاء نهم العالم للأوهام والنصائح الخاطئة، فأنت بحاجة إلى الكهرباء بسرعة، ويفضل أن تكون زهيدة التكلفة، وتُلبي الطاقة الشمسية والبطاريات وحتى طاقة الرياح تلك المتطلبات بالفعل.ولا يزال الغاز الأحفوري متوفراً نسبياً، ورخيصاً، وشائعاً. لكن الطلب على توربينات الغاز أدى إلى تمديد فترات الانتظار لسنوات. وكشفت دراسةٌ حديثةٌ أجراها مهندسون من جامعة ولاية بنسلفانيا، بتمويل جزئي من شركة «تسلا»، أن التشغيل والإيقاف السريع لتدريب الذكاء الاصطناعي في مراكز البيانات يُؤدي إلى تآكل التوربينات المصممة لإنتاج طاقة أكثر استقراراً، مما يُقصر عمرَها الافتراضي بشدة. كما أنه من المتوقع أن يبدأ تشغيل أول محطة نووية جديدة قيد الإنشاء، وهي محطة كيميرر للطاقة في وايومنغ، في ديسمبر 2030.
ويُعزز ذلك الشعورَ المتزايدَ بأن مصادر الطاقة المتجددة، خلافاً لادعاءات المتشككين، قادرةٌ على تحقيق الاكتفاء الذاتي دون دعم حكومي. وفي الواقع، أصبحت الشركاتُ الخضراء التي سخر منها ترامب وحلفاؤه المحافظون، بما يشمل الطاقة النظيفة وكفاءة الطاقة وإدارة المياه، صناعةً عالميةً تبلغ قيمتها 10 تريليونات دولار، وفقاً لتقرير حديث صادر عن مجموعة بورصة لندن.
ولذلك، ليس من المستغرب أن تشكل الطاقةُ الشمسيةُ والبطارياتُ 80% من إجمالي 53 جيجاوات من قدرات التوليد التي أضافتها الولاياتُ المتحدة في عام 2025، وأن تمثل 76% من إجمالي 25.3 جيجاوات جرى تركيبُها العام الحالي حتى نهاية مايو، وهي أحدث بيانات متاحة. وحتى طاقة الرياح التي يكرهها ترامب، والتي يزعم أنها تسبب السرطان وتقتل الحيتان، أضافت 6.3 جيجاوات من القدرات حتى الآن خلال العام الجاري، منها 800 ميجاوات من طاقة الرياح البحرية.
وقد أدرك المستثمرون ذلك منذ فترة طويلة. فالمؤشرات الخضراء في أسواق الأسهم، مثل مؤشر «ستاندرد آند بورز العالمي لانتقال الطاقة النظيفة»، تتفوق باستمرار على أداء السوق الأوسع. كما اجتذبت شركاتُ التكنولوجيا النظيفة 60 مليار دولار من تمويلات الأسهم خلال النصف الأول من عام 2026، في أفضل أداء لها خلال ستة أشهر منذ أيام قانون خفض التضخم في عام 2022.ويأتي جزء كبير من هذا الحماس مدفوعاً بطفرة الذكاء الاصطناعي، ولذلك فهو عرضة للتراجع إذا تعرضت هذه الطفرة لانتكاسة. ولا يزال الوقود الأحفوري المسبب لارتفاع حرارة الكوكب يشكل حصةً كبيرةً من مزيج الطاقة الأميركي. لكن كل مصفوفة شمسية أو مزرعة رياح تُبنى اليوم قد تَحول دون بناء محطة فحم أو توربين غاز آخر في العام المقبل. فالوقت هو المال، وكلاهما يقف حالياً إلى جانب الطاقة المتجددة.
*محرر متخصص في قضايا تغير المناخ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
إقرأ المزيد


