غابات بريطانيا.. كيف تنجو من خطر الاشتعال؟
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

قبل عقدين، لم يكن غريباً أن تمر أعوام دون أن تشهد بريطانيا حرائق غابات كبيرة، لكن الأمر لم يعد كذلك. ففي 2026، اندلعت حرائق في الأراضي العشبية في سوفولك، وغابات كيرنغورمز باسكتلندا، وجبال رينوغيد في شمال ويلز، إضافة إلى حرائق في «مقعد آرثر» بإدنبرة وبجوار السكك الحديدية في والثامستو بلندن. وبحلول 30 يوليو الماضي، استجابت أجهزة الإطفاء والإنقاذ في إنجلترا وويلز لـ716 حريق غابات، بينها 218 بعد 16 يوليو.
الوضع ليس بسوء العام الماضي، عندما احترق أكثر من 45 ألف هكتار، وفق نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي، أي ضعف المساحة في 2026. لكن البيانات تُظهر أن تصنيف شدة الحرائق الأسبوعي التراكمي في المملكة المتحدة هو الآن الأسوأ على الإطلاق.

والسبب واضح، حيث أدت انبعاثات الوقود الأحفوري إلى ارتفاع حرارة الكوكب، فأصبحت المملكة المتحدة تشهد أياماً أكثر تكون فيها الظروف شديدة الخطورة لاندلاع حرائق هائلة. وفي نهاية يوليو، أعلنت وكالة البيئة أن نصف إنجلترا يعاني الجفاف، بينما لم يتلقَ جنوب إنجلترا سوى 1% من معدل الأمطار المعتاد في يوليو. ومع موجات الحر الطويلة أصبحت الأراضي عرضة لاندلاع حرائق هائلة.
وبناء على التوقعات بارتفاع حرارة الأرض درجتين مئويتين بحلول 2050، يقول الباحثون إن عدد الأيام التي تواجه فيها بريطانيا خطر حرائق الغابات قد يتضاعف مقارنة بمتوسط أواخر القرن الـ20. وتكشف متوسطات المساحات المحترقة أنها قد تشهد بالفعل مزيداً من الحرائق ومواسم أطول لها. وحان الوقت لأن تتعامل المملكة المتحدة مع حقيقة أنها أصبحت أكثر عرضة للاشتعال.
وقد بدأت سلطات المتنزهات وهيئة الغابات وضع خطط لإدارة الحرائق. وكانت هيئة الغابات قد أعدت في 2014 دليلاً من 48 صفحة يوصي بإنشاء ممرات فاصلة خالية من النباتات أو أحزمة من النباتات المقاومة للحرائق على امتداد المسارات والمرتفعات، وتقليل أخشاب الشجريات الميتة في الغابات المعرضة للحرائق.
كما أعلنت منظمة «البحث والابتكار في المملكة المتحدة»، وهي مؤسسة حكومية، تخصيص 10 ملايين جنيه إسترليني لعلماء بريطانيين يعملون مع نظرائهم الأميركيين والكنديين لتعزيز القدرة على الصمود في مناطق تلتقي فيها البيئات الريفية الطبيعية والحضرية البشرية. وقال توماس سميث، الأستاذ المشارك في الجغرافيا البيئية بكلية لندن للاقتصاد، إن بريطانيا «تمضي في الاتجاه الصحيح»، لكنه يخشى ألا تتحرك بالسرعة الكافية، إذ شهد نشاط الحرائق تحولاً كبيراً خلال العقدين الماضيين، بينما تتغير أساليب إدارة الأراضي ببطء، كما أن تطبيق نتائج الأبحاث يحتاج إلى وقت ومال.
ويتطلب التكيف أيضاً وحدات استجابة مجهّزة جيداً. ففي يوليو 2022، عندما سجلت بريطانيا للمرة الأولى درجة حرارة تجاوزت 40 مئوية، كانت سيارات الإطفاء التابعة تقريباً لخدمة إطفاء لندن منتشرة للتعامل مع حوادث في أنحاء العاصمة. وفي يونيو الماضي، أتاحت الحكومة 97 مليون جنيه إسترليني لتحديث المركبات والمعدات وتدريب فرق متخصّصة. لكن عدد رجال الإطفاء تراجع باستمرار، كما خُفضت الميزانيات الأساسية بالقيمة الحقيقية، فيما دعا المجلس الوطني لرؤساء أجهزة الإطفاء إلى مواصلة الاستثمار لمواجهة الحوادث المعقدة.
كما يحتاج الجيش البريطاني وأجهزة الإطفاء والإنقاذ إلى قدرات جوية مخصّصة لمكافحة الحرائق، إذ تعتمد بريطانيا على مروحيات إطفاء متوفرة فقط في شركات خاصة. وقد أدى ذلك إلى تأخيرات في التصدي للحرائق، ففي 2025، تأخرت الطائرات اللازمة لإخماد «حريق هائل» في دافا مور باسكتلندا لأنها كانت مرتبطة بعقد تصوير، وظهرت مشكلات مماثلة في كيرنغورمز وويلز هذا العام. لذلك تحتاج بريطانيا إلى عقود تضمن توفير مثل تلك الخدمات، أو وضع هذه القدرات تحت السيطرة المباشرة لخدمات الإنقاذ، مع إمكانية شراء حاويات للمياه وتعليقها أسفل المروحيات العادية وتدريب الشرطة والجيش على استخدامها.
ألقت بعض وسائل الإعلام «اليمينية» باللوم على مشاريع إعادة إحياء الطبيعة في التسبب في الحرائق المدمرة التي اجتاحت المملكة المتحدة، وذلك أمر مضلل. فمع أن إعادة إحياء الطبيعة بشكل سيئ، دون إنشاء فواصل حريق مناسبة، قد تزيد من كمية المواد القابلة للاشتعال، إلا أن استعادة المناظر الطبيعية تجعل النظم البيئية أكثر مرونة.وتتخذ بريطانيا خطوات للتكيف مع تحولها إلى بلد أكثر عرضة للحرائق، من الأبحاث إلى حملات التوعية العامة، لكن لا يمكنها التراخي وفقدان الزخم. فقد تطول الليالي، لكن الصيف المقبل سيأتي سريعاً.
*كاتبة متخصصة في شؤون تغير المناخ.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد