جريدة الإتحاد - 8/12/2026 11:14:42 PM - GMT (+4 )
ختمنا المقال السابق بغاية يحملها المثقف الفيلسوف: أن ينقل أمّته من استهلاك الأفكار إلى إنتاجها. وهنا يواجهنا سؤال مؤرّق يستدعي شجاعة المكاشفة: هل أنتج عقلنا العربي عبر قرون فكراً أصيلاً، أم ظلَّ يجترّ ويردّد ويرقّع؟
الحقيقة الصادمة أنّ كثيراً من فكرنا وُلد ردَّ فعل على أزمة طارئة، وصيغ ترقيعاً لثغرة مفاجئة، حتى صارت المعالجة عادةً تحلّ محلّ الإبداع، في هذا المقال نفتح هذا الجرح لنبحث عن دوائه. يكشف التأمّل في مسيرتنا الفكرية عن نمط متكرّر يستحقّ الوقوف، قوامه أنّ الأفكار تأتينا استجابةً لصدمة خارجية قبل أن تنبع من سؤال داخلي. نبّه المفكر الراحل محمد عابد الجابري إلى أنّ العقل العربي يميل إلى إعادة إنتاج ذاته أكثر من ابتكار الجديد، فيستعيد القديم في كل أزمة، عوضاً عن أن يخلق حلوله. هكذا يتحوّل الفكر من فعل مبادر إلى ردّ فعل منفعل، ومن إبداع ينبثق من الذات إلى ترقيع يلاحق الأحداث.
والأمّة التي تفكّر بردود أفعالها تبقى أسيرة مبادرة غيرها. يتعمّق هذا المأزق في الصدام المتكرّر بين النصوص التراثية ومتطلّبات الواقع المتغيّر. فحين يجمُد فهم النصّ عند حدود عصر مضى، ويتقدّم الواقع بأسئلته الجديدة، تنشأ هوّة سحيقة بين الموروث والحاضر. عندها يلجأ العقل إلى الترقيع اليائس، يرمّم الصدع بحلول مؤقّتة تُسكّن الألم من غير أن تشفي الداء.
والمعالجة الحقّة تقتضي أن نُعيد فهم النصّ في ضوء مقاصده، فنصوغ من روحه أجوبةً تليق بعصرنا، عوضاً عن حشر الواقع في قوالب ضاقت عنه.
يعود جذر هذا العجز إلى لحظة فارقة تراجع فيها الاجتهاد وعلا فيها صوت التقليد. ما اصطُلح على تسميته «إغلاق باب الاجتهاد» عبّر عن روح استسلمت للمحاكاة وأنِست بالجاهز، فحلَّ استظهار المتون محلّ توليد المعرفة. يختلف الباحثون في مدى دقّة هذه العبارة حرفياً، غير أنّ غلبة التقليد على الابتكار حقيقة طبعت قروناً من تاريخنا.
وحين يُقدَّس الموروث ويُهاب السؤال، يذبل الاجتهاد وينكمش الإنتاج، فيغدو العقل خازناً للمعرفة عاجزاً عن توليدها.يضيء مالك بن نبي هذا المشهد حين يميّز في «مشكلة الأفكار» بين فكرة مطبوعة تنبت من تربة المجتمع فتؤدّي وظيفتها، وفكرة موضوعة تُستورد من خارجه فتفقد فاعليّتها.
الأمّة التي تستهلك أفكار غيرها تعيش عالةً على عقول سواها، تتلقّى الأجوبة جاهزةً من دون أن تملك سؤالها الأصيل.
والتبعية في عالم الأفكار أخطر من التبعية في عالم الأشياء، لأنّها تُصادر الوعي ذاته من حيث يشعر المرء أو يغفل. من هنا يبدأ الطريق إلى الإنتاج: من امتلاك السؤال قبل استعارة الجواب. يقتضي الخروج من هذا المأزق جرأةً على التفكير المستقلّ، تلك الجرأة التي دعا إليها كانط بندائه «تجرّأ أن تعرف».
والإنتاج الأصيل يُجانب القطيعة مع معارف العالم، فالأخذ الناقد من الآخر باب مشروع لمن يُحسن الهضم والإبداع فوقه. وهكذا صنع أسلافنا يوم نقلوا حكمة اليونان فطوّروها وأضافوا إليها، فصارت معرفةً مملوكةً ونواةً لحضارة. والعبرة أن نستعيد المبادرة، فنصوغ أسئلتنا من واقعنا، ونستلهم أجوبتنا من قيمنا، ونبدع فكراً يحاور العالم من موقع النِّدّ.
يتّضح في ختام القول أنّ نهضتنا الفكرية رهن انتقالنا من عقل ردود الأفعال إلى عقل المبادرة، ومن ترقيع الأزمات إلى صناعة الحلول. فحين يستعيد العقل العربي جرأته على الاجتهاد، ويصالح بين نصوصه الخالدة وواقعه المتحوّل، يتحوّل من مستهلك للمعنى إلى صانع له. تبقى بعد ذلك مهمّة تفرض نفسها: هذه الشروط المتناثرة من ثقة واجتهاد وحرية ومؤسّسة تنتظر يداً تجمعها في خريطة طريق واحدة. كيف نصوغ شروط الإحياء في نسق متكامل؟ ذلك ما يقودنا إلى حديثنا المقبل.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


