إسرائيل بين حسابات الحرب والانتخابات
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر المقبل، في ظروف تختلف عن الاستحقاقات السابقة، فيما تستمر الحرب وتبقى جبهاتُها مفتوحةً. فالملفات تمتد من غزة ولبنان إلى إيران، فيما تتداخل العلاقة بواشنطن مع حسابات السياسة الداخلية. وقد تعيد التطوراتُ الأمنيةُ طرحَ احتمال تأجيل موعد الانتخابات إذا نشأت ظروفٌ استثنائيةٌ تبرر ذلك.

لذا فإن أهميةَ هذه الانتخابات مسألةٌ تتجاوز بقاءَ بنيامين نتنياهو أو رحيله، إلى السياسة التي ستدير بها الحكومةُ المقبلةُ حرباً لم تصل بعدُ إلى نهايتها.
لن تكون إيرانُ وحدها في حسابات التصويت، فإدارة الحرب، وإخفاقات السابع من أكتوبر، ومستقبل غزة، والخدمة العسكرية، وإعفاء الحريديم، وغلاء المعيشة، والانقسام الداخلي.. إلخ، قضايا ستؤثّر في توجّهات الإسرائيليين نحو الأحزاب المتنافسة، وبعضها يضغط على تماسك معسكر نتنياهو. لذا ستعكس النتائجُ إلى حدٍّ كبير تقييمَ الجمهور لأداء الحكومة خلال مرحلة امتزج فيها الأمنُ بالاقتصاد والسياسة، فيما يسعى كلُّ معسكر إلى وضع أولوياتِه في صدارة النقاش الانتخابي.
وتضع المنافسةُ نتنياهو أمام خصوم يختلفون عنه في تسيير الشأن العام وإدارة الصراع أكثر مما يختلفون معه في النظر إلى التهديدات الأمنية. سيقدِّم نتنياهو نفسَه باعتباره القائدَ الذي أدار حرباً متعددةَ الجبهات واستطاع إضعافَ قدرات خصوم إسرائيل، فيما تمنح غادي آيزنكوت خلفيّتُه العسكريةُ مساحةً لمنافسة نتنياهو في ملف الأمن وانتقاد أداء الحكومة.

أما نفتالي بينيت فيطرح نفسَه بديلاً عن اليمين، إذ يركّز على إدارة الدولة وقضايا التجنيد والمساءلة عن إخفاقات السابع من أكتوبر.

ومع ذلك، فإن تغيُّر رئيس الحكومة لا يعني تغيراً مماثلاً في النظرة إلى إيران، حيث يحظى منعُها من امتلاك قدرات نووية عسكرية والحدّ من تهديداتها بتأييد واسع داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية.
وتتقاطع حسابات نتنياهو مع توجُّهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، دون أن تتطابق معها، فترامب يريد تحويلَ الضغط العسكري إلى اتفاق يعيد الملاحة في مضيق هرمز ويفتح الطريقَ أمام تفاهم أوسع مع طهران، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية. أما نتنياهو فيريد الحفاظَ على ما حققته إسرائيل عسكرياً ومنع اتفاق يمنح إيرانَ فرصةً لاستعادة قدراتها. كما أن استمرار الخطر الإيراني يخدم خطابَه الانتخابي القائم على الأمن، بينما يحتاج ترامب إلى تهدئة يستطيع تقديمَها باعتبارها نتيجة للضغط الذي مارسته إدارتُه.

وتأتي التعييناتُ الأخيرةُ في إيران لتدعم حججَ نتنياهو في مواجهة أي اندفاع أميركي نحو الاتفاق. فتعيين محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد فيه، إلى جانب تغييرات عسكرية في مواقع قيادية، كل هذا يعكس اتجاهاً متزايداً نحو عسكرة مراكز القرار في النظام الإيراني وتعزيز حضور الشخصيات المتشددة في إدارة المرحلة. وسيكون من السهل على نتنياهو توظيفَ هذه التغييرات للتحذير من تقديم تنازلات لطهران، والقول للناخب الإسرائيلي إن إيران تعيد ترتيب مؤسّساتها الأمنية والعسكرية في الوقت الذي تبحث فيه واشنطن عن اتفاق معها.


ومن المنظور الإماراتي والخليجي، لا ترتبط المصلحة باسم رئيس الحكومة الإسرائيلية المقبل، بقدر ارتباطها بالسياسات التي ستنتجها بعد الانتخابات، وبطبيعة أي تفاهم أميركي مع إيران. فمضيق هرمز يرتبط مباشرةً بأمن الخليج ومصالحه، فيما تمتد تداعياتُ أي اضطراب فيه إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وأيُّ اتفاق يعيد الملاحةَ يجب ألا يحوّل قدرةَ إيران على تعطيلها بالقوة إلى امتياز سياسي دائم. والمطلوبُ استقرارٌ إقليمي يمكن البناءُ عليه، مع استمرار دول الخليج العربية في تعزيز قدراتها الذاتية وتوسيع بدائل تصدير الطاقة وحماية الموانئ والمنشآت الحيوية.
الانتخابات المقبلة ستكشف ما إذا كان المجتمعُ الإسرائيلي يريد استمرارَ النهج الذي ربط الأمن بالحرب المفتوحة، أم يفضّل قيادةً تسعى إلى تحويل القوة العسكرية إلى ترتيبات أكثر استقراراً. وفي الحالتين، لن تكون المنافسةُ على رئاسة الحكومة وحدها هي التي تحدد اتجاهَ المرحلة، فالمتغيرُ الأهمُّ سيكون قدرةَ أيِّ قيادة مقبلة على حسم القضايا العالقة، وإدارة التحالف مع واشنطن والصراع مع إيران، دون إعادة إنتاج دورة جديدة من التصعيد.

*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد