جريدة الإتحاد - 8/16/2026 10:50:12 PM - GMT (+4 )
صدرت مؤخراً الترجمةُ الإنجليزية المكتملة الأولى لكتاب أبي حامد الغزالي الشهير «مقاصد الفلسفة»، الذي كان قد تُرجم مبكراً إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي وغدا من المراجع الأساسية في تدريس الفلسفة في الأوساط التعليمية والدينية الأوروبية. لقد كانت القراءة السائدة لهذا الكتاب هي اعتباره مجرد تلخيص لفلسفة ابن سينا، تمهيداً لنقدها الجذري في كتاب «تهافت الفلاسفة»، وهي قراءة خاطئة كرّست القولَ غير الدقيق بالقطيعة الجذرية بين ابن سينا والغزالي (الأشعري). وفضلاً عن كون الكتاب من حيث المنهجية والمضمون يختلف نوعياً عن «التهافت»، ومن ثم لا يمكن اعتباره تمهيداً له، فإن المقاربة الحالية تسعى إلى اكتشاف عمق التأثير السينوي في فكر الغزالي في ما وراء الجدل حول المسائل الثلاث العقدية التي اعتبر أنها تتناقض مع ثوابت الدين.
وبالرجوع إلى أطروحة المستشرق الألماني «فرانك غريفل»، يمكن القول إن كتاب «مقاصد الفلسفة» أسّس تقليداً كاملاً في الفكر الإسلامي الوسيط يدمج الفلسفةَ بالكلام، هو تقليد «الحكمة» الذي تندرج فيه أعمال أبو بركات البغدادي وفخر الدين الرازي وصدر الدين الشيرازي.. إلخ، وغيرهم من أعلام التراث العقلاني الإسلامي.
ليست هذه الاعتبارات التاريخية هي التي تهمّنا هنا، بل إبراز أهمية هذا التقليد الذي انتهى عملياً بعد ثلاثة قرون من تاريخ الفكر الإسلامي. ما نريد أن نبيّنه هو أن تقليد الحكمة يمكن اعتباره صياغة تأليفية مبتكرة بين علم العقيدة في نسخته الفلسفية التي أطلق عليها البعض منذ المنعرج السينوي لفظ «الإلهيات»، وبين المنهج البرهاني المنطقي الذي نفذ بقوة إلى أصول الفقه والتصوف العرفاني الذي انتقل من الأدبيات الزهدية إلى نظريات النفس والسعادة وأنطولوجيا الوجود، في استيعاب واضح للنصوص الفلسفية اليونانية.
وهكذا يمكن النظر إلى الأدبيات الإصلاحية المعاصرة في مجملها من حيث كونها انتكاسة عن نهج الحكمة، بنبذها للميتافيزيقيات الكلامية ورفضها للأبنية المنطقية باعتبارها صورية وشكلية (يجب استبدالها بأطروحة مقاصد الشريعة الغائمة)، وإنكارها للتصوف ونعته بالخرافية واللاعقلانية. وقد بلغ هذا المنهج مداه في البحث عن تصور إسلامي صافٍ ومجرد من التأثير المضموني الخارجي (أفكار الممارسة النظرية المستقلة ومواجهة التحيز المعرفي والمطالبة بحق الخصوصية الحضارية)، وانتهى إلى محاكمة عقيمة للتراث العقلاني الإسلامي، بما فيه علوم اللغة والبيان التي اعتُبرت متأثرةً بنظرية البلاغة الأرسطية.
والغريب هنا أن إمام أهل السنة الذي أطلق عليه «حجة الإسلام»، أي الغزالي، هو الذي اعتبر أن المنطق الأرسطي هو البديل الناجع عن أقيسة التمثيل الظنية، وهو الذي أعاد بناءَ النظريات الكلامية على أساس فلسفة الوجود السينوية، كما أعاد صياغةَ المعجم الصوفي وفق نظرية النفس الأرسطية الرواقية، ولم يجد تعارضاً بين أصول الشرع والأدوات الفلسفية الداخلة في نطاق «الحكمة» التي هي «ضالة المؤمن».
وكذا الشأن بالنسبة لشارح نصوص أرسطو الأكبر قاضي قرطبة ابن رشد الفقيه المالكي المعروف، الذي أدرك أن الفرق بين الفلسفة والشريعة يكمن في المنهج وطريقة النظر، لا في النتائج والمضامين.
وحتى ابن تيمية الذي عادة ما يوصف بالتعصب والانغلاق، اعتبر أن جلّ كلام الفلاسفة اليونان في الطبيعيات والعلوم والأخلاقيات لا يصطدم بالشرع، وعزا الاختلافَ في الإلهيات إلى طبيعة التمايز في السياقات الدينية.
ما نخلص إليه هو تجديد الدعوة إلى الرجوع لتقليد «الحكمة» الذي عبَّر عن عمق المثاقفة في التراث الإسلامي، وعكس أوجهَ الانفتاح الفكري في تجربتنا التاريخية الغنية.
وبطبيعة الحال، فليس المقصود هنا هو استنساخ الكتابات التراثية الكلامية والأصولية والصوفية، فمن البديهي أن كثيراً من الأدوات النظرية والتطبيقية القديمة لم تَعُد صالحة لعصرنا اليوم.
لكن ما الفرق بين اعتماد منطق الأحوال المعاصر في الكلاميات والأصول واعتماد منطق البرهان الأرسطي لدى أسلافنا من علماء الإسلام السابقين؟ وما الفرق بين نظريات الخطاب السيميائية والتداولية الراهنة وأدوات البلاغة اليونانية التي نفذت إلى عمق علوم البيان العربية الوسيطة، كما يبين أمين الخولي وطه حسين؟ وما المانع من دمج نظريات العدالة التوزيعية وأخلاقيات المسؤولية في صلب منظومتنا القيمية، على غرار تأثر من سبقنا بأفكار الفضيلة والسعادة ذات الجذور الأفلاطونية الأرسطية؟
في رسالة لفقيه موريتاني من القرن الثامن عشر يرد، في مدينة ولاتة العريقة، على شيخه، وردت العبارةُ الشهيرة التي تُعزى لأرسطو «أحب أفلاطون لكني أحب الحقيقة أكثر منه»، وهو يعني بوضوح المبدأ الإسلامي الراسخ المتمثل في قبول الحقيقة بغضِّ النظر عن مصدرها.
*أكاديمي موريتاني
إقرأ المزيد


