هرمز والقرصنة الإيرانية الجديدة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في هجوم عدواني جديد، ضربت إيرانُ ناقلةَ نفط تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)، للمرة الثانية خلال خمسة أيام، أثناء عبور الناقلة في مضيق هرمز. ومن الواضح أن هذه الهجمات العدوانية المتكررة تمثل سلسلةً متصلةً من الاعتداءات التي طالت ناقلاتٍ وسفناً تجاريةً في مضيق هرمز ومياه الخليج وخليج عُمان. وقد تعرضت العديد من الناقلات والسفن لهجوم أثناء عبورها المضيقَ خلال الفترة الأخيرة، في سلوك يؤكد أن استهداف ناقلات الطاقة بات جزءاً من نمط إيراني متكرر يهدد أمن الملاحة الدولية وسلامة إمدادات الطاقة.
إن خطورة هذه الاعتداءات لا تقاس فقط بحجم الضرر المباشر الذي يَلحق بسفينة أو شحنة نفط، وإنما بما تمثله من مساس مباشر بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبمبدأ راسخ في القانون الدولي يتمثل في حرية الملاحة والعبور الآمن للسفن التجارية. ومعلوم أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تَحكم نظامَ المضايق المستخدمة للملاحة الدولية، وتكفل للسفن حقَّ المرور العابر بما يضمن حريةَ الملاحة والعبور المستمر والسريع، بعيداً عن أي إعاقة أو تهديد. وعليه فإن استهداف أي سفينة أو ناقلة تجارية أثناء عبورها مضيقاً دولياً لا يمثل اعتداءً على سفينة فحسب، بل اعتداءً على سلامة نظام الملاحة الدولية نفسه. كما أن تعريضَ ناقلات النفط لهجمات مسلحة يفتح باباً بالغ الخطورة أمام كارثة بيئية محتملة، ويزيد مخاطرَ انقطاع إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. والأخطر أن تعطيلَ حركة السفن في مضيق هرمز لا تتوقف آثارُه عند حدود الخليج، بل تمتد إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
ولعل اللافت أن الاعتداءات الأخيرة تأتي رغم وجود موقف دولي واضح ومعلن. فقد أدان مجلسُ التعاون لدول الخليج العربية بأشد العبارات، وتبعته العديد من دول العالم، إذ أكدت كلُّها أن استهدافَ الملاحة والمنشآت والممتلكات يمثل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً جسيماً للقانون الدولي. والأهم من ذلك أن مجلس الأمن الدولي كان قد اعتمد القرارَ 2817 لعام 2026، الذي أدان الهجمات الإيرانية على دول المنطقة، وأكد ضرورةَ احترام سيادة الدول وسلامة الملاحة. ورغم ذلك استمرت الاعتداءات والتهديدات التي تمس أمنَ الملاحة. 
 والحقيقة أن التجارب السابقة أثبتت أن بيانات الإدانة وحدها لا تكفي. فحين لا تقترن الانتهاكات بعواقب سياسية وقانونية وأمنية واضحة، يتحول الصمتُ الدولي إلى فرصة لتكرار الاعتداءات وساحة للابتزاز. وقد أكدت مواقفٌ أمميةٌ لاحقةٌ أن استمرار الهجمات والتهديدات ضد السفن التجارية وحرية الملاحة يمثل خطراً على الملاحة البحرية والأمن الدولي وإمدادات الطاقة.
إن حماية مضيق هرمز ليست مسؤوليةَ دولة خليجية واحدة، وإنما مسؤوليةً جماعيةً لدول الخليج والمجتمع الدولي والدول المستفيدة من أمن الطاقة والتجارة العالمية. ومن المهم هنا التحديد القانوني لهذه الاعتداءات وفقاً للتوصيف الفني الدقيق في القانون الدولي للبحار، لاسيما إذا كان الفعل منسوباً إلى دولة معينة أو لأجهزتها، حيث تتجسد المسؤوليةُ القانونية للدولة وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي التي تصبح الإطارَ الرئيسي للتقييم والمساءلة. 
 وانطلاقاً من ذلك تبرز ضرورة توحيد الموقف الخليجي، وبناء تحالف دولي فاعل لحماية الملاحة، وتأمين ممرات آمنة للسفن، وتوثيق الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، وصولاً إلى إعادة المضيق لوضعه الطبيعي كممر للملاحة الدولية الحرة والآمنة. لا يجوز السماح بتحويل مضيق هرمز إلى أداة للهيمنة أو التهديد أو الابتزاز السياسي.. فحرية الملاحة ليست امتيازاً تمنحه دولةٌ لسفن العالم، وإنما مبدأ من مبادئ النظام القانوني الدولي، والتهاون في حمايته اليوم يعني ببساطة السماحَ بتحويل أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية إلى رهينة بيد مَن يملك القدرةَ على تهديدها، متخذاً من مضيق هرمز أداةً للقرصنة البحرية.

*كاتبة إماراتية

 



إقرأ المزيد