«التمرد البيولوجي».. والعودة إلى الطبيعة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بينما يندفع العالمُ بجنونٍ نحو عصر «الترانس هيومانيسم» (ما بعد الإنسانية) ومحاولات دمج الوعي البشري بالسيليكون، تصرخ أجسادنا الصامتة بضرورة العودة الفورية إلى الشفرة الجينية الأولى. نحن نمتلك جهازاً عصبياً وبيولوجياً معقداً صُمم للعيش في أحضان الطبيعة، واقتناص الثمار، والارتباط الوجداني بجماعات بشرية صغيرة. وحقيقةُ أن الانفصام الحاد بين البيولوجيا القديمة والرقمنة الحديثة ليس مجرد خلل ثقافي، بل هو السبب الحقيقي الكامن خلف الأزمة النفسية والجسدية العالمية التي نعيشها اليوم. الإحصائيات الطبية الصادمة تشير إلى أن حالات الاكتئاب والقلق قد ارتفعت بنسبة 25% عالمياً تزامناً مع الانعزال الكلي عن البيئة الطبيعية والتحول نحو الحياة داخل الشاشات. إن الحقيقة الثورية التي يرفض النظام العالمي الاعتراف بها هي أننا بيولوجياً كائنات مغتربة في أقفاص ذهبية من التكنولوجيا، وأن خلاصنا الوحيد يكمن في التمرد البيولوجي واستعادة سيادتنا الفطرية.
المحور الأول في هذا التمرد هو السياسة الحيوية للضوء والإيقاع. أجساد البشر مبرمجة جينياً على «الإيقاع اليوماوي» أو الساعة البيولوجية المرتبطة بحركة الشمس، لكننا نعيش حالياً تحت طغيان الأضواء الزرقاء للشاشات التي تدمر إنتاج الميلاتونين وتحدث فوضى عارمة في الجهاز العصبي المركزي. البرهان العلمي القاطع يربط بقوة بين التلوث الضوئي وارتفاع نسب السرطانات، والسكري، والالتهابات المزمنة في المجتمعات الحديثة. وأطفالنا يعيشون في حالة انفصام بين الواقع الافتراضي وواقعهم المادي، وفي تأهب قتالي دائم لأن عقولهم لم تعد تدرك معنى الظلام الفطري، الذي هو مهد الترميم الخلوي. الثورة القادمة هي التمرد على الأجهزة والعودة الجسدية إلى إيقاع الليل والنهار. البشر بحاجة ماسة لـ«حق الانفصال الرقمي» كحق دستوري، لكي تستعيد أدمغتهم القدرة الفطرية على التفكير العميق بعيداً عن تشتت الدوبامين الذي تفرضه الخوارزميات لتجعلنا مستهلكين سلبيين لا نملك إرادة الانتباه.
المحور الثاني يتعلق بفيزياء التواصل واللمس وسقوط «القبيلة الرقمية». فالدماغ البشري يفرز هرمون الأوكسيتوسين (هرمون الثقة والارتباط) عبر اللمس الفيزيائي، والتواصل البصري المباشر، والروائح الطبيعية (الفيرومونات). هذه الكيمياء الاجتماعية المعقدة لا يمكن محاكاتها إطلاقاً عبر «الزووم» أو «الميتافيرس» الجامد والمصطنع.
 البشر يعيشون حالياً في أشبه بـ«مجاعة حسية»، تجعلهم أكثر عدوانية وانعزالاً رغم اتصالهم الرقمي الدائم بآلاف الأصدقاء الوهميين. الأرقام العلمية تؤكد أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول في اللعب في التربة يمتلكون قشرة دماغية أكثر كفاءة وقدرة أعلى بكثير على التعاطف الاجتماعي. العودة للطبيعة الأولى هي ضرورة بيولوجية قصوى للبقاء كبشر أسوياء، وليست مجرد خيار ترفيهي، فبدون الاحتكاك الفيزيائي بالواقع، نتحوّل إلى كائنات هشّة نفسياً يسهل التلاعب بمشاعرها عبر الشاشات الزجاجية ونحن غير مدركين تحول استراتيجية الاستعمار المعاصر من الغزو المادي إلى التملك الإدراكي.
المحور الثالث، والأكثر جرأة، هو السيادة الحيوية ورفض أن نكون هجيناً تقنياً. إن الزحف نحو التلاعب بالشرائح الدماغية العصبية وتعديل الجينات يهدف في جوهره إلى تحويل الإنسان من كائن حر متّصل بالطبيعة إلى عقدة في شبكة تخضع للسيطرة المركزية. 
الحقيقة الثورية هي أن الكمال البشري يكمن فقط في نقائنا الفطري وقدرتنا المذهلة على التكيف الطبيعي، وليس في الترقيات التقنية التي تجعلنا خاضعين للصيانة والبرمجيات الخارجية المملوكة لشركات عابرة للقارات. 
العالم بحاجة إلى دستور بيولوجي عالمي يحمي الشفرة الوراثية للبشرية من التلاعب التجاري والسياسي. فالعلم الذي يتجاهل الروح البشرية هو علم ناقص، يهدف لبناء سجن وظيفي بدلاً من بناء حضارة إنسانية.بالإضافة إلى ذلك، تبرز قضية الذكاء الغريزي الذي فقدناه. الإنسان الأول كان يمتلك قدرة مذهلة على قراءة تضاريس الأرض، ومعرفة فصول السنة، وفهم لغة الحيوان والنبات. اليوم، أدى الاعتماد الكلي على التطبيقات الجاهزة إلى ضمور وظيفي في مراكز الملاحة والذاكرة في الدماغ. وحتى لا يفقد البشر استقلاليتهم ككائنات واعية، يجب أن يعودوا للطبيعة، ليس من أجل البقاء على قيد الحياة، بل من أجل استعادة السيادة الذهنية على واقعهم. إن «المواطنة الرقمية» لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت مبنية على إنسان من صلب بيولوجي طبيعي وواعٍ فطرياً.
في الختام، إن الحقيقة الثورية هي أن التقدم الذي لا يحترم بيولوجيا الإنسان هو انحدار مقنع. نحن البشر لسنا بيانات في سحابة، ولسنا خوارزميات من لحم ودم، نحن أبناء الأرض، وجذورنا تضرب في ترابها. فالمستقبل الحقيقي ليس في الهروب فيما وراء الجدار الجليدي أو نحو جوف الأراضين السبع أو العيش في المحاكاة، بل في العودة المظفرة إلى ماهية الروح والجسد بكل قوته وضعفه وجماله الفطري الفريد. إذا فقدنا ارتباطنا الجذري بالأرض، سنفقد هويتنا كبشر، وسنصبح مجرد أشباح في الآلة. فمتى يتم كسر شيفرة النسيان واستعادة الإنسان فينا ونحرره من سجن الحداثة المشوهة؟ وهل ستكون ثورة البشر على منهجية القص واللصق في المناهج التعليمية المفتاح لذلك؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات. 



إقرأ المزيد