جريدة الإتحاد - 8/17/2026 10:33:45 PM - GMT (+4 )
ارتبطت الحضارات القديمة بالماء والعمران، فنمت المدن الأولى حول الأنهار والواحات ومجاري الأودية، وكان اتّساع المدن واستقرار الحياة منذ البدايات مقترناً بقرب الماء وجريانه.
أمّا الخليج العربي، فقد تشكّلت صورته الراهنة عبر مراحل متعاقبة من التحوّل، ففي ذروة العصر الجليدي الأخير، قبل ما يقارب عشرين ألف عام، كان مستوى البحر العالمي أدنى من مستواه الحالي بنحو مئة وعشرين متراً، وكان حوض الخليج في معظمه أرضاً مكشوفة وسهلاً منخفضاً تمرّ به مجارٍ نهرية قادمة من الشّمال، يتقدّمها كلٌّ من دجلة والفرات وكارون، وهو النهر الذي عُرف عربياً باسم دُجَيْل الأحواز، تصغيراً لاسم نهر دجلة، إلى جانب أودية موسمية من الجزيرة العربية. ومع انحسار الجليد وارتفاع حرارة الأرض، بدأت المياه القادمة من بحر العرب والمحيط الهندي تتقدّم عبر مضيق هرمز، حيث غمرت ذلك الحوض تدريجياً عبر آلاف السّنين، حتى بلغ الخليج هيئته التي نعرفها اليوم. ولم يكن الخليج غائباً عن الذاكرة الحضارية القديمة، فقد عُرف بتسميات متعددة وأوصاف متباينة في المدونات الرافدية لبلاد ما بين النّهرين، منها «البحر الأدنى»، و«البحر المُرّ»، و«بحر الشَّروق» أو «بحر الشَّمس المشرقة». ثم توالت أسماؤه في الأزمنة اللاحقة، حتى استقرّ باسم الخليج العربي.
في البيئة الخليجية، حيث الحرارة المرتفعة وندرة الموارد المائية وتفاوت معدلات الهطول، تبلورت أنماط معيشية ارتبطت بالأفلاج والسدود وعيون الماء. ومع التَّحولات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة، غدت تحلية المياه مكوّناً أساسياً في الحياة الخليجية المعاصرة، إذ رفعت القدرة الاستيعابية للمدن، ووسّعت أنشطتها العمرانية والاقتصادية والخدمية والصناعية.
اكتسب البحر مكانةً راسخةً في الوجدان الخليجي بفضل ارتباطه الوثيق بالتّجارة والغوص والصّيد والأسفار، ثم اتَّسعت وظائفه حديثاً، لتتصل بالموانئ وسلاسل الإمداد والتحلية. وعلى امتداد المناطق التي يلتقي فيها البحر بالمدينة، تشكّلت واجهات عمرانية واقتصادية كثيفة تضم مرافق التحلية، وشبكات سحب المياه من البحر، ومنظومات الضخ، والتخزين والإمداد. في هذا المسار التطوّري، لا ينحصر أمن المدينة الخليجية في محطة التحلية وحدها، بل يبدأ من سلامة البيئة البحرية، والمآخذ، والأنابيب، والمضخات، ومنظومات الترشيح الأولي، ضمن شبكة مترابطة يؤثر أداء كل عنصر فيها في قدرة المدينة على مواصلة وظائفها.
استراتيجياً، يحتل التخزين المائي موقعاً متقدماً في البيئة الخليجية ذات الاستهلاك الكثيف للمياه. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والحروب الحديثة، تبرز الحاجة إلى حماية البُنى التحتية الممتدة في قاع البحر، وفي مقدمتها الكابلات، مع مراعاة تنويع مساراتها ونقاط هبوطها في مشاريع التوسعة والتحديث، وتحصين محطات التحلية التي تُشكّل عصباً خفياً للمدينة الخليجية الحديثة.
وتشير التّقديرات إلى أنّ دول الخليج العربي تُنتج قرابة 40% من إجمالي المياه المُحلّاة عالمياً، ممّا يجعل أمن منظومة التحلية جزءاً من أمن المدن واستقرارها. تنسجم هذه الرؤية مع استراتيجية الإمارات للأمن المائي 2036، التي تستهدف ضمان الوصول المستدام إلى المياه في الظروف الاعتيادية والطارئة، وخفض الطلب، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة، ورفع القدرة التخزينية.
ولا تنفصل الاستدامة المائية عن الطاقة، إذ تُعد مرافق التحلية من أكثر المنشآت استهلاكاً لها، ممّا يجعل كفاءة التشغيل شرطاً أساسياً لسلامة الإمداد المائي، فيما يُسهم دمج الطاقة الشَّمسية في تعزيز استقرار تشغيل هذه المرافق. وتتجاوز الحَصانة المائية البنية المادية، إذ يُعد الأمن السيبراني أحد عناصرها في العصر الرقمي، نتيجة لاعتماد منشآت التحلية وشبكات الضخ والإمداد على أنظمة تحكم وتشغيل رقمية معقدة، مع الإبقاء على بدائل تشغيل يدوية عند الحاجة. ولا تكتمل الحَصانة إلا بتوطين الصناعات المرتبطة بهذه المنشآت والشبكات المائية، وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي، بما يرفع قدرة المرافق الحيوية على مواصلة التشغيل في الظروف الاستثنائية، ويخفف الأعباء الاقتصادية المصاحبة للأزمات.
أما على المستوى البيئي، فتواجه السواحل الخليجية تحديات متزايدة مع التوسع العمراني، إذ قد يغيّر الردم الكثيف حركة التيارات، وأنماط انتقال الرواسب، والتوازنات البيئية، بما يستدعي، في بعض الحالات، موازنة أدق بين التوسع الساحلي وخيارات التنمية داخل اليابسة. وفي موازاة حماية البيئة البحرية، تأخذ إعادة استخدام المياه المعالجة حضوراً متزايداً ضمن معادلة الأمن المائي، ممّا يخفف الضّغط على مرافق التحلية، ويخفض كلفة الإمداد، ويساعد على ضبط الاستهلاك والحدّ من الهدر، إلى جانب تكيّف عمراني يقوم على تعزيز الظلال الطبيعية، والحدّ من الامتصاص الحراري، وتوسيع الغطاء النباتي الملائم للبيئة الخليجية.
في خضم هذه التحولات، يكتسب التّعاون الخليجي المشترك أهمية متزايدة في إدارة الملف المائي، نظراً إلى الطبيعة العابرة للحدود، والتّحديات البيئية، والتقنية، والبحرية، والمناخية المشتركة، حيث استطاعت التّجربة الخليجية بناء مدن متقدمة في بيئة قاسية، من خلال هندسة دقيقة لاستدامة الإمداد المائي والطاقة والعمران، بما يعكس موقع المياه في البنية الحضارية الخليجية. من هذا المنظور، تمثّل المياه في الخليج العربي ركناً أساسياً في المعادلة الحضارية، فهي تطال إيقاع الحياة اليومية، وتمسّ شعور الإنسان بالاستقرار والطمأنينة.
يكفي التأمل في منزلة الماء في تكوين الإنسان والأرض، لإدراك عمق النظام الذي تقوم عليه الحياة، فالماء يستأثر بالقسط الأوفر من مساحة سطح الأرض، مع غلبة حضوره في تكوين الجسد البشري، إذ تتجاوز نسبة الماء فيه نصف تكوينه. وعليه، فإن علاقة الإنسان بالماء أبعد من حدود المنفعة والاستهلاك، إذ تتصل بميزان دقيق تنتظم به الحياة والكائنات. لقد جرت السُّنن الكونية على تحولات متدرجة تتعاقب عبر أزمنة طويلة، ضمن نظام يحفظ للموجودات توازنها وتماسكها، غير أن التدخل البشري المتسارع أشدّ وقعاً في إحداث الاضطراب والإخلال، بما يفوق أحياناً ما تحتمله البيئات الطبيعية. للماءِ في ميزان الحياة منزلة، وبه يحيا الإنسان ويقوم العمران، فإذا توارى صفوُه يوماً، اختلّ الميزان.
إقرأ المزيد


