السمعة التي تسبقك
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في أحد مطاعم كيب تاون، وبمجرد أن علم النادل أننا قادمون من الإمارات، ابتسم وقال بعفوية: «لسنا بمستوى دبي، لكننا نتعلم منكم». لم تكن جملة مجاملة عابرة، فقد تكررت على مسامعي بصيغ مختلفة طوال أسبوعين قضيتهما مع عائلتي في المدينة، تارة من مرشد سياحي، وتارة من سائق أجرة. وفي كل مرة، كان المعنى واحداً: أن سمعة بلادك قد وصلت إلى أقصى الأرض قبلك.لم تكن هذه زيارتي الأولى للمدينة، فقد عرفتها عام 2008، والمقارنة اليوم تفرض نفسها. التطور ملحوظ في جودة الخدمات ونضج التجربة السياحية وتنوع الزوّار من مختلف القارات، غير أن أعمق ما يلفت الانتباه ليس البناء المادي، بل بساطة الناس ودفء التعامل، فالتفاصيل الاستهلاكية تُنسى سريعاً، بينما تبقى الابتسامة الصادقة والموقف الإنساني عالقين في الذاكرة.
تتقن كيب تاون تحويل التفاصيل العادية إلى تجارب متكاملة. يمكنك أن تصعد قمة جبلية صباحاً، ثم تراقب الحيتان في عرض البحر ظهراً، لتنتقل في اليوم التالي إلى جزيرة «روبن» حيث قضى نيلسون مانديلا ورفاقه عقوداً في الأسر، فتتحوّل الجولة السياحية فجأة إلى تأمل عميق في التاريخ والإنسان. حتى المزارع العضوية هناك لم تعد مجرد حقول إنتاج، بل وجهات ثقافية متكاملة يجول فيها الزائر لساعات، يتذوّق وينفق ويقتني، ويغادر بذاكرة حية لا مجرد صورة تذكارية.
هذا الربط بين السياحة والذاكرة يقودك مباشرة إلى الدرس الأهم الذي تركه مانديلا: طريقة التعامل مع الماضي. كان يمكن للظلم التاريخي أن يولد انتقاماً مضاداً، وكان يسهل على الضحية حين تمسكت بزمام السلطة أن تستعير أدوات الجلاد. غير أن مانديلا اختار المعادلة الأصعب: مصالحة بلا إنكار، وتسامحاً لا يفرط في العدالة، ووطناً يتسع للجميع. وتلك الروح لا تزال حاضرة في التعايش اليومي بين مختلف الأعراق والثقافات، رغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

إن المجتمعات لا تملك تغيير وقائع تاريخها، لكنها تملك إدارة مستقبلها، فإما أن تجعل من الجراح وقوداً لصراعات مستمرة، أو تحولها إلى حكمة تبني دولة متصالحة مع ذاتها.
وهنا تتصل العبرة بحديث النادل. فالسمعة الدولية والمكانة الرمزية للدول، تماماً كالمصالحة الوطنية، لا تُبنى بقرار فوقي أو بأبراج شاهقة وحدها، بل بتراكم دؤوب من التفاصيل اليومية، ومعايير الأمن، وسهولة الحياة، وجودة الخدمة. هذه هي القوة الحقيقية التي لا ترصدها لغة الأرقام الصماء: أن تسافر إلى الضفة الأخرى من العالم فتجد أن تجربة بلادك غدت معياراً يُقاس به الإنجاز.
غير أن السمعة التي تُبنى في عقود لا تُصان بالركون إلى التاريخ، بل بما يُنجز في الحاضر، فهل ما نفخر به اليوم محصن بذاته، أم أنه يحتاج إلى تجديد يومي يستحق الرهان؟
وهنا تحديداً تكمن الإجابة عن سؤال يتكرر كثيراً: لماذا نرى القيادات الإماراتية دائماً في الميدان، تتابع التفاصيل، وتلتقي فرق العمل، وتدفع نحو المزيد من الإنجاز؟ لأن السمعة، مثل النجاح، لا تُورث ولا تُضمن، بل تُبنى كل يوم من جديد.

*كاتب وإعلامي إماراتي



إقرأ المزيد