وظيفة الفتوى في واقع متغير
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم تعد الأسرة اليوم تواجه أسئلةً تقليديةً يمكن عزلها عن التحولات الكبرى التي تعيد تشكيلَ المجتمع والاقتصاد والثقافة. فالعلاقات الأسرية نفسها أصبحت أكثر تعقيداً، والمال داخل الأسرة أكثر تشابكاً، والتقنية أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة، والخصوصية أكثر هشاشة.. بينما تتبدل أنماط التربية والعمل والتواصل بوتيرة متسارعة. ومع هذه التحولات، لم يعُد السؤال الإفتائي يبدأ لحظةَ وقوع المشكلة، بل صار كثيرٌ من أسبابه يتشكل قبل أن تصل النازلة إلى المفتي.
ومن هنا جاءت مبادرةُ الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، التي تتخذ من دار الإفتاء المصرية مقرّاً لها، بعقد مؤتمرها الدولي الحادي عشر تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».. ومن هنا أيضاً تكتسب المبادرةُ أهميةً تتجاوز حدودَ اللقاء العلمي، لأنها تعيد طرحَ سؤال أعمق يتعلق بوظيفة الفتوى نفسها: هل تظل الفتوى جواباً يأتي بعد وقوع الأزمة، أم تصبح معرفةً استباقية تساعد على منع الأزمة قبل اكتمال أسبابها؟
 في هذا التحول تَبرز دارُ الإفتاء المصرية، بقيادة فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، بوصفها مؤسسةً راكمت تجربةً واضحةً في تطوير العمل الإفتائي، وفي الانتقال به من اجتهاد فردي محدود إلى خبرة مؤسسية تستعين بالتخصصات المختلفة وتقرأ الواقع في تعقيده. فالفتوى المعاصرةُ لا يكفيها إحكامُ معرفة النصوص، مهما بلغت دقة الاستنباط، ما لم يصاحب ذلك فهمٌ للسياق وتحقيقٌ للمناط ووعيٌ بالمآلات وقدرةٌ على قراءة التحولات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والتقنية.
 وتَظهر أهميةُ هذا المنهج بوضوح في قضايا الأسرة. فالخلاف حول المال قد لا يكون نزاعاً مالياً خالصاً، بل تعبيراً عن شعور بعدم الإنصاف أو غياب الاعتراف بالجهد. والطلاق قد لا يبدأ عند لحظة النطق به، وإنما بعد سنوات من اختلال التواصل وتراكم التوتر. أما الأبناء، فأصبح جزء كبير من عالمهم يتشكل خارج البيت، عبر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وشبكات التأثير العابرة للحدود. ولهذا لم يعد المفتي يتعامل مع سؤال منفرد، بل مع شبكة كاملة من الأسباب والعلاقات والمآلات.ويتكامل هذا المسار مع الدور التاريخي للأزهر الشريف، ومع الرؤية التي عبّر عنها فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب في عدد من قضايا الأسرة والمرأة والتجديد. فقد ظل الإمام الأكبر يؤكد أن التجديد الحقيقي ينبع من داخل المرجعية، وأن الوفاء للتراث لا يعني تحويل كل ممارسة تاريخية إلى حكم أبدي. ومن هنا جاءت أهمية إعادة فتح ملفات مثل حقوق المرأة المالية وحق الكد والسعاية، بما يعيد الاعتبارَ إلى قيم العدل والاعتراف بالجهد وحماية الاستقرار الأسري.
وفي هذا المشهد تتجلى خصوصيةُ التجربة المصرية: الأزهر يمنح الاجتهادَ عمقه العلمي وامتداده التاريخي، ودار الإفتاء تمنحه القدرة على اختبار هذا العمق داخل وقائع الحياة المتغيرة. وهذا التكامل يفتح المجال أمام بناء نموذج إفتائي لا يحرس الأحكام فحسب، بل يحرس المجتمع من سوء تنزيلها وسوء فهمها.
ولذلك فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يخرج به المؤتمر ليس: ما حكم هذه القضية أو تلك؟ بل: كيف نبني عقلًا إفتائياً يقرأ المشكلةَ قبل أن تصبح نازلة؟ فالمؤسسة الإفتائية التي تستشرف التحولات تستطيع أن تنتقل من معالجة النزاع إلى حماية الاستقرار، ومن الإجابة عن الأزمة إلى المساهمة في منعها. وعندها تصبح الفتوى جزءاً من صناعة المستقبل، وتصبح صيانةُ الهوية قدرةً على أن يعيش المسلم زمنَه كاملًا دون أن يفقد مرجعيتَه، وأن يحفظ مرجعيته دون أن يغيب عن زمنه.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد