الهند وبنغلاديش: إعادة ضبط العلاقات
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

يرتبط اقتصادا الهند وبنغلاديش، باعتبارهما جارتين، ارتباطاً وثيقاً في عدة مجالات، بدءاً من التجارة ووصولاً إلى البنية التحتية العابرة للحدود والتعاون الحيوي في مجال الطاقة. وقد شهدت العلاقات بينهما توتراً لبعض الوقت، إلا أن هناك محاولة لإعادة ضبطها، مما يؤكد النهجَ العملي الذي يتبناه الجانبان.
وهناك عدة أسباب تدفع الجارتين إلى مواصلة الحوار وتوطيد علاقاتهما، التي تأثرت سلباً بعد الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة عام 2024، والتي لجأت إلى الهند وما زالت تقيم فيها. إلا أن هناك محاولات لإعادة ضبط العلاقات جارية رغم استمرار إقامة الشيخة حسينة في الهند. وقد أعربت رئيسة الوزراء السابقة عن نيتها العودة إلى بنغلاديش، لكن يبدو ذلك غير ممكن في الوقت الراهن، خاصة بعد تراجع مكانة حزبها «رابطة عوامي»، واعتقال العديد من قادته أو فرارهم خارج البلاد، بل قُتل بعضهم أثناء الاحتجاجات العنيفة عام 2024.
وفي خطوة يُنظر إليها كمحاولة لإحياء حزب «رابطة عوامي»، صرحت الشيخة حسينة مؤخراً بأنها ستعود إلى بنغلاديش نهايةَ العام الجاري. ورغم أنها لم تُحدد موعداً دقيقاً لعودتها، فإنه لا يوجد وضوحٌ بشأن ما إذا كانت ستُنفذها. وكانت محكمة الجرائم الدولية في العاصمة البنغالية دكَّا قد حكمت غيابياً على رئيسة الوزراء السابقة بالإعدام. ويأتي ظهورها الإعلامي في وقت تُعيد فيه الهند وبنغلاديش بناء علاقاتهما. ولا يُمكن لأي من البلدين السماح بتدهور العلاقات إلى ما يتجاوز حداً معيناً، وذلك نظراً لحجم التفاعل الاقتصادي والتواصل الشعبي بينهما. فخلال عامي 2024 و2025، بلغت صادرات الهند إلى بنغلاديش 11.46 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الواردات ملياري دولار. ويُظهر ذلك بوضوح اعتماد بنغلاديش الكبير على الهند في التجارة، لاسيما في استيراد الوقود والغذاء والكهرباء. وتُعد الهند أكبر شريك تجاري لبنغلاديش في جنوب آسيا، حيث تربطهما تجارةٌ ثنائيةٌ ضخمة، وتُقدم الهندُ لبنغلاديش دعماً حيوياً في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية. كما تُشكل الهندُ أرخصَ طريق عبور للبضائع المتجهة من بنغلاديش إلى دول أخرى مثل نيبال وبوتان. كما تُعدّ الهندُ جزءاً من سلاسل إمداد قطاع المنسوجات البنغالي.
وهناك مؤشرات قوية على أن الجانبين سيتعاملان بواقعية على المدى البعيد. فلا يستفيد أي من البلدين من توتر العلاقات، نظراً لجوارهما وحدودهما المشتركة الطويلة. وتتجلى هذه الواقعية بوضوح لدى الطرفين معاً، لا سيما في اختيار السفراء مؤخراً، إذ من المقرر أن تعيّن بنغلاديش وزيرَ خارجيتها الحالي، أسد عالم سيام، الذي شغل منصب سفير بنغلاديش لدى الولايات المتحدة قبل تعيينه وزيراً للخارجية. ويشير هذا التعيين البارز إلى مكانة العلاقات الهندية البنغالية في المشهد العام الأوسع. وبالمثل، فإن سفير الهند الجديد لدى بنغلاديش هو شخصية سياسية مرموقة، وقد تولى منصبه رسمياً في دكا قبل شهرين فقط. ولا يُعد دبلوماسياً محترفاً، لكن خبرته في المنطقة تؤكد سعيَ الهند لتحسين علاقاتها مع بنغلاديش، وإدراكها لحاجتها إلى شخصية خبيرة لإدارة هذه العلاقات.
ورغم استمرار بعض نقاط الخلاف بين البلدين، فإن الجهود ستتركز على تحقيق الاستقرار وتنمية التعاون الاقتصادي بما يعود بالنفع المتبادل. وفي مثال على النهج الواقعي البراغماتي الذي يميّز العلاقات الهندية البنغالية، دعت الهندُ رئيسَ وزراء بنغلاديش طارق رحمن إلى حضور قمة مجموعة «بريكس» في نيودلهي الشهر المقبل، بصفته رئيس مبادرة خليج البنغال للتعاون الاقتصادي والتقني متعدد القطاعات، المعروفة اختصاراً باسم «بيمستك». وحتى الآن لم يوضح مكتب رئيس الوزراء ما إذا كان سيحضر أم لا. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان الاجتماع بين رئيسي وزراء البلدين سيُعقد. لكن من الواضح أن من مصلحة الجانبين مواصلة التواصل وتسوية القضايا العالقة بينهما. ولا شك في أن زيارة رئيس وزراء بنغلاديش للهند في هذه المرحلة ستسهم في تحديد مسار إعادة ضبط العلاقات بين البلدين.


*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد