جرف الصَّخر: مربض الخيل
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

اشتهرت ناحية «جرف الصخر» في الإعلام، لأنها البوابة لحصر السلاح بيد الدولة العراقية، فإذا ظلّت «جرف الصخر» أو اسمها الجديد «جرف النَّصر» مقفولة بوجه السلطة فلا يحصل حصر السلاح، لا اليوم ولا غداً، ويترتب على ذلك أمور كثيرة، ومنها ضعف الدولة بوجود جيش في خاصرتها. أمسى هذا الجرف عاصمة قائمة بذاتها، أكثر استقلالية من «الفاتيكان» داخل روما، بعد تهجير سُكانه بالكامل، وقد مرت سنوات وهم يقيمون في الثكنات.
تقع «جرف الصَّخر» شمال محافظة بابل (الحلة)، جنوب بغداد بنحو ستين كيلومتراً، تتبع قضاء المسيب، والأخير بدوره يتبع محافظة بابل، نسخ اسمها التَّاريخي إلى «جرف النّصر» وهذا بقرار مِن مجلس المحافظة، ونِعم النّصر على «داعش» وجماعات الإرهاب كافة، لكنَّ المشكلة بتزوير هذا النّصر، وسلبه مِن الجيش العراقي، وأنقياء الحشد الشعبي.
 نشرت مجلة «التّراث الشّعبيّ» البغدادية، عدداً حافلاً بتأريخ تُراث نواح ومدن عراقيّة، ومنها «جرف الصخر». كتب قيس كاظم الجنابيّ تحت عنوان «ملامح مِن تاريخ جرف الصّخر وتراثها الشّعبيّ»، وقد نُشر قبل أن (2002، أي قبل سقوط النظام السابق، وقبل إشهار الجرف في الإعلام، للمعارك التي حصلت فيه، ولتحوله إلى مدينة مسلحة مغاقة للميليشيات.

 نُحتت التّسمية من وجود عدة «سنون» أو «أسنان» صخريَّة في المنطقة، على يمين نهر الفرات، وهي: سن أبو عوف، وسن دهيمش، وسن بطاح، وسن تليل (تصغير تل) الجص، وسن حمد، فاتُّفق على جمعها باسم «جرف الصَّخر»، بعد أن كانت تُسمى بالجروف.

تتكون جرف الصخر«مِن ثلاث مناطق: الباج الشّماليّ والجنوبيّ، والحجير، وهو موقع أثري، ومنطقة الفارسيّة، التي صار اسمها «القادسيّة»، مع تغيير اسم الدّيوانيّة إلى القادسية، ورد اسمها خلال الاحتلال البريطاني الأول للعراق (1917)، ونقول الأول فالثاني وقف عند البصرة (2003). افتتحت في الجرف مدرسة عام 1931، فقال معلمها أحمد أفندي آنذاك حاثاً على تطويرها وتوسيعها، ما يشبه الأهزوجة:«نحن طلاب الجرف/ نستحق كل العطف/ يا شيوخ ويا كبار».

 تُعد جرف الصّخر اليوم، أو مثلما سموها بـ«جرف النّصر»، منطقة محرمة، خاصة بالميليشيات، فأهلها ما زالوا في مخيمات اللاجئين، ولم يدخلها أحد غير الميليشيات منذ (2014)، ولأهمية الجرف كعاصمة عسكرية لأشهر الميليشيات عنفاً وولاءً لإيران، صار الرهان على دخولها من قبل الجيش العراقي، أو تسليم ما فيها من سلاح ومصانع سلاح، وقد بدأ التهديد من زعامات جرف الصخر بأنها منطقة محرمة، كذلك كانت محادثات إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، لتأجيل فتح الجرف، فهذا التأجيل إذا حصل معناه تأجيل تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة، وإسقاط هيبتها أمام العالم، ففتح جرف الصَّخر أو تسليمه صلحاً هو الحاسم في تنفيذ هذا القرار.
لعقود والسلاح يتدفق إلى جوف الجرف، حتى صارت منيعة ومحرمة على الحكومة نفسها، يتصرف «حكامها» بمعزل عن الدولة، في التسليح وصناعة المسيرات وإطلاقها متى شاءت وإلى أي جهة تريد. شكّلت في أيام القتال الطائفي مع اليوسفية واللطيفية ما أطلق عليه بمثلث الموت، لكثرت القتل والمعارك التي حصلت في هذا المثلث، ومَن ينظر إلى خريطة العراق يجد «جرف الصخر» يقع في الوسط تماماً، سلاحه يطول: بغداد وبابل والأنبار.هناك تحدٍ كبير أمام الحكومة العراقيَّة في فرض سيطرتها على المنطقة، التي تحولت إلى معسكرات جيش موازٍ، يمتلك مختلف الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وهل سيكون فتح بوابتها مِن قبل قادتها والاندماج في القوات المسلحة والانصياع للأمر الواقع، أم بعملية عسكرية لاستعادة المنطقة؟ وهذا يعتمد قبل كلّ شيء على الموقف الإيراني، الذي مازال رافضاً فتح الجرف وإلغاء الجيش الموازي التابع للحرس الثوري، وإلا ما لإيران وجرف الصخر! إذا لم يكن مربض خيلها في وسط العراق!
*كاتب عراقي



إقرأ المزيد