جريدة الإتحاد - 8/19/2026 12:17:54 AM - GMT (+4 )
يجد المرء صعوبة في نسيان بعض الصور، والمشاهد، وحتى أحياناً الكلمات، عندما تكون مثل ضرب الصقال القواطع. في رحلة عبر قارب الزمن العملاق يعيش الإنسان حالة تقليب الصفحات، مثل تلميذ نسي عنوان الدرس الجديد الذي طلب منه المعلم قراءته بإمعان قبل حضور الحصة الدراسية. يظل الإنسان يفكر، ويتدبر، ويتبصر، ويبحث عن حيلة تنقذه من مأزق الألم النفسي فيما لو أغلق الصفحة، وتولى وأدبر، وترك التفاصيل تحوم حول رأسه مثل ذبابات حائرة، ولا جدوى من الخنوع لأنه قرر أن يفر من قسورة الذاكرة، قرر أن يفر من موجة عارمة، لو ترك لها مجال اقتحام عقله فسوف تهدم البنيان، وتطغى على الكيان، ويصبح الإنسان مثل أسير في حرب طاحنة، لا يذكر سوى وقت تم القبض عليه، وسوى ذلك، فهو ربما يحاول التناسي، أو هو كذلك، تلقى الرحمة من رب العالمين فنسي كل تفاصيل الحياة، ولم يبقَ له سوى جمجمة جوفاء، والعقل غاطس في لُجة النسيان.
وهذه محنة العقل عندما يعتقد بأن الآخر، الطرف الآخر من المعادلة البشرية، هذه معضلة العقل عندما لا يستطيع فك أسره، والخروج إلى العالم. ونحن بحاجة إلى الآخر، ومهما سمعنا، ومهما قرأنا عن حروب، ومآسي مرّت من هنا، من طرف الذاكرة التاريخية، فإن للآخر كتاباً آخر غير الكتاب الذي نعرفه، إنه كتاب يعرفنا على ذواتنا، إنه مرآتنا التي تعكس وجوهنا، ونراها واضحة وضوح شمس الضحى، لأنه ما من إنسان يستطيع أن يتعرّف على نفسه، من دون أن يقرآ التفاصيل في وجوه الآخرين، لأنها تمنحه عقد المقارنة، وفي المقارنة درس خصوصي، مجاني علينا الاطلاع عليه، والاستفادة من المعلومات التي نقرأها على جبين كل شخص.
الإنسان خُلق ليكون اجتماعياً، وما العزلة إلا حالة مرضية مؤلمة، ولذلك نرى أننا عندما نحضر مجلساً عامراً بالبشر نشعر بالخصوصية بين المجموع البشري، وهذه سمة من سمات العقل، والذي يصبو دائماً للتفرد، والتميُّز، بينما الإنسان في عزلته، لا يرى سوى نفسه، وقد يغرم بها، مثل (نرجس) ولكنه، قد يقع في البئر، وتنتهي حياته بمأساة، وأعظم الشرر يأتي من اعتقاد الإنسان بأن الآخر ضد، وليس مع، وهذه خديعة بصرية تلقيها النفس الأمارة على الإنسان، والتي تجعله يئن تحت ركام خبرات أشبه بالغبار. فنحن بحاجة إلى الآخر، كحاجتنا إلى الماء، والهواء، لأننا نتلقى الكلمات، وهي حاضنة أمينة للتجارب، والخبرات، ومن أنفاس الآخر ننعم برائحة الطيب، عندما تكون الأنفاس خارجة من مدخن بخور التفاؤل، والانشراح وحب الحياة. نحب الحياة، ونحب الآخر، فتصبح طريقنا سالكة باتجاه الفرح، والذي بدوره يؤسس مملكة الجمال الروحي، ولا شك أن لجمال الروح سماءها التي تسكنها نجوم الأبدية.
إقرأ المزيد


