جريدة الإتحاد - 8/19/2026 12:18:08 AM - GMT (+4 )
لم تغادرني هذه الصورة قط، رغم كثرة اللقطات الفريدة التي شغلتني أثناء عملي في «مجلة ناشيونال جيوغرافيك»، لقد بهرني صبر صاحب صورتي الأثيرة، الذي بقي 30 ساعة خلف مخبأ للمراقبة، وأخذ ما يزيد على 1500 لقطة على مدار 26 ساعة! قام بعد ذلك بدمج أفضل اللقطات في صورة واحدة يتتابع فيها الوقت، بحيث تظهر الحيوانات التي زارت البحيرة في أوقات مختلفة، من النهار إلى الليل، في إطار واحد!
اختزل العالمِيُّ «ستيفن ويلكس» الزمن في صورته، فجمع كل مخلوقات الغابة في «سيرينجيتي» حول غدير الماء، فبدت اللقطة وكأنها مهرجان ضخم اجتمعت فيه كافة كائنات البرية في آن واحد، الفيلة العظيمة وأفراس النهر الضخمة والحمير الوحشية والحيوانات المفترسة، والطيور بأسرابها، كلها تتشارك المورد!
الحقيقة أنه لا يمكن إطلاقاً أن تجتمع هذه الحيوانات في نفس الوقت، فما يحدث أن كل قطيع له توقيته الخاص، يتناوب مع غيره على حافة الماء بحذر وتنظيم، يحكمه نظام بيئي دقيق للغاية. هذا التناغم الضمني بين المفترسات والفرائس، لم نكن لنعرف جوهره دون ساعات الصبر التي بقي فيها المصور متأملاً ومنتظراً ومتحملاً إيقاع الزمن البطيء، ليحظى بحقيقة عميقة لم نكن لنكتشفها لو قرر المغادرة بعد ساعتين!
بعض محطات الحياة تحتاج إلى أن نبقى في المكان طويلاً دون حركة، نصمت دون همس، ونراقب دون أن نتدخل. وهو ما يبدو صعباً للغاية في زمن يقدس السرعة في كل شيء: القرارات والمعلومات والنتائج. أصبحنا نخاف التروي، ونسميه مضيعة للوقت. ولكن ماذا لو كان هذا التروي هو الوقت الذي نحتاج إليه فعلاً لكي نفهم المعنى؟! ماذا لو أن السرعة التي نسعى إليها هي التي تحرمنا لذة الطريق؟!
لقد عمل «ستيفن» منذ عام 2009 على مشروعه الضخم (Day to Night) لالتقاط آلاف الصور التي يدمجها في إطار زمني متّصل يمتد من الشروق حتى بداية الليل، سواء في توثيق الحياة البرية أو صخب الميادين الكبرى. اختزل في صوره دورة الزمن الكاملة، مظهراً لنا كيف تتغير ظلال الضوء وتتبدل ملامح الحياة بطريقة لا يمكن ملاحظتها.
منحنا ستيفن الحقيقة التي تحرمنا منها عجلتنا الدائمة، فالحياة تبوح بأسرارها وكامل عمقها لمن يمتلكون شجاعة التوقف وطول البقاء في حضرة التفاصيل. ويا لها من مفارقة! لقد قضى ستيفن ساعات طويلة كي يصنع صورة تختصر الزمن، وكأنه يقول: إن اختصار الزمن يكون فقط.. بمنحه حقه كاملاً.
إقرأ المزيد


