وزارة الخزانة.. صدام مع «الاحتياطي الفيدرالي»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 لم يمضِ سوى ثلاثة أشهر منذ تولى «كيفن وورش» قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، حتى بدأ يتعرض بالفعل لضغوط من البيت الأبيض الذي منحه المنصب. وكان ذلك أسرع مما يمكن لأي شخص توقّعه.
وقبل أسابيع قليلة فقط، قال «وورش» للصحفيين إن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي طويلة الأجل يؤدّي غرضاً مهماً، إذ يشدّد الأوضاع المالية في اقتصاد لا يزال التضخم فيه مرتفعاً، ويرسل إلى البنك المركزي إشارات رئيسية بشأن كيفية تحديد السياسة النقدية. لكن وزارة الخزانة، بقيادة مدير صناديق التحوط السابق «سكوت بيسنت»، قلبت كل ذلك منذ أيام، معلنةً أنها ستزيد عمليات إعادة شراء سندات الخزانة طويلة الأجل «بما لا يقل عن الضعف»، لتصل إلى نحو 32 مليار دولار في الربع الواحد، (3 شهور).
وتُعد الخطوة محاولة واضحة لتشويه الإشارات الصادرة عن الأسواق المالية الأميركية، مع خفض تكلفة الاقتراض بصورة مصطنعة للأميركيين الذين يواجهون معدلات رهن عقاري تقترب من 7%، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. ويوم الخميس، صرّح بيسنت بأنه يمتلك «مجموعة أدوات واسعة» يمكن استخدامها لرفع قيمة عمليات إعادة الشراء إلى مستويات أعلى بكثير.
وليس من المستغرب أن يغضب «وورش»، ليس فقط لأن «بيسنت» أكثر وزراء الخزانة تدخلاً في السياسة منذ عقود، بل يعرقل أيضاً مهمة الاحتياطي الفيدرالي في السيطرة على التضخم ويجعلها أكثر صعوبة من خلال مخططه الأخير.
وكان «وورش» قد تعهّد بالامتناع عن تقديم «توجيهات مسبقة» بشأن توجه السياسة النقدية، وأصبح أكثر تحفظاً في تصريحاته، ظاهرياً لأنه يريد إشارة واضحة من الأسواق ليسترشد بها في قراراته. ولكن مع تشويش وزارة الخزانة للإشارات، سيستنكر «وورش» الأمر. ولحسن الحظ، يتجاهل سوق السندات البالغ حجمه 31.5 تريليون دولار تصريحات بيسنت، فبعد تراجعها الأربعاء الماضي عقب إعلان وزارة الخزانة، قفزت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً الخميس، وعادت إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين.
وهناك تاريخ طويل من الصدامات بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، وغالباً ما تنتهي، إما بتراجع وزارة الخزانة، أو باستمرار التضخم. ويعود أبرز مثال إلى الحرب الكورية عام 1951، عندما أراد الاحتياطي الفيدرالي، برئاسة توماس مكابي، رفع تكلفة الاقتراض لمواجهة التضخم الذي بلغ معدلاً سنوياً 21% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير 1951. بينما أراد وزير الخزانة في عهد هاري ترومان، جون سنايدر، الإبقاء على تكاليف منخفضة لتمويل الإنفاق العسكري، وسط مخاوف من اتساع الحرب إلى صراع عالمي.
وتحوّل الخلاف آنذاك إلى أزمة كبيرة، بعدما تسببت مذكرات مسرّبة في اضطراب وول ستريت ودفعت شركات التأمين على الحياة إلى بيع السندات، مما أدى إلى اتفاق وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، الذي شكّل نقطة تحوّل في مسار استقلالية الاحتياطي الفيدرالي. ولا أحد يريد تكرار تلك الأحداث، لاسيما بعدما تجاوز الدَّين الأميركي منذ أيام 40 تريليون دولار. ورغم أن الحرب مع إيران قد تجعل الوضع الحالي يبدو مشابهاً، فإن الفارق كبير، فالحرب الكورية أودت بحياة نحو 37 ألف أميركي وكادت تتحول إلى حرب عالمية ثالثة، بينما يبدو تدخل بيسنت اليوم مدفوعاً باعتبارات سياسية واضحة.
وهناك مثال أحدث يتمثل في سياسة وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين، التي اعتمدت بدرجة كبيرة على إصدار أذون الخزانة لتمويل الحكومة في وقت كان فيه الاحتياطي الفيدرالي يتبع سياسة نقدية متشددة. وهاجم «جمهوريون»، من بينهم بيسنت نفسه، هذه السياسة، متهمين يلين بمحاولة تنشيط الاقتصاد قبل انتخابات 2024. لكن خططها كانت في الواقع متوافقة مع توصيات اللجنة الاستشارية للاقتراض التابعة لوزارة الخزانة، التي تضم خبراء من القطاع المالي لتقديم المشورة بشأن إدارة الاقتراض الحكومي. ورغم دفاعي عن السياسة آنذاك، فإن النتائج لم تكن جيدة، فقد فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية وأحدثت صدمة جديدة في قطاع الطاقة، وتوقف التضخم عن التراجع، كما ارتفعت تكاليف الاقتراض طويل الأجل إلى مستويات أعلى من متوسطها في 2023 و2024.
ولهذا يصعب فهم سبب استمرار وزارة الخزانة في عهد بيسنت في خطة إصدار الدين نفسها، بل وتوسيع جهودها لخفض عوائد السندات. صحيح أن اللجنة الاستشارية لا تزال تقبل بهذه السياسة رسمياً، لكنها حذّرت من أن توقعاتها قد تستدعي زيادة إصدارات السندات ذات الفائدة الدورية في السنة المالية 2027، ما يعني أن هامش تحرك بيسنت قد بدأ يضيق.

وفي الاتجاه نفسه، اتخذت إدارة ترامب خطوات أخرى لدعم الطلب على الدَّين الأميركي وخفض تكاليف الاقتراض، فقد أمرت «فاني ماي» و«فريدي ماك» بشراء سندات الرهن العقاري لدعم القدرة على تحمل تكاليف السكن، وعدلت قواعد رأس المال المصرفي لتشجيع البنوك على الاحتفاظ بمزيد من سندات الخزانة، ودعّمت قانوناً للعملات المستقرة، بهدف زيادة الطلب على السندات السيادية من قطاع العملات المشفرة. كما أيّدت تدخل اليابان الأخير في سوق العملات، وهو ما قلّل من حاجة أحد كبار حائزي الدين الأميركي الأجانب إلى بيع سندات الخزانة لدعم عملته.وتقوّض جميع تلك الإجراءات موقف «وورش» وتُعرقل الإشارات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي لتحديد سياسته النقدية. وحتى الآن، لم يتمكن «بيسنت» من تحريك الأسواق بصورة مستدامة بهذه الإجراءات، ولذلك قد يكتفي «وورش» بتحمل الوضع وانتظار زواله. لكن إذا واصل بيسنت استخدام «مجموعة أدواته الكبيرة» لطرح إجراءات جديدة، فقد يتحول الخلاف إلى مواجهة علنية بين وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي، كما حدث في عام 1951.


- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*كاتب متخصص في الاقتصاد والأسواق الأميركية. 



إقرأ المزيد