جريدة الإتحاد - 8/23/2026 11:00:57 PM - GMT (+4 )
تقدم الإمارات أحد أبرز النماذج الحضارية المعبّرة بوضوح عن التحول الاستراتيجي في عالم العلاقات الدولية اليوم، إذ لم تَعُد الجغرافيا وحدها العنصر المحدّد والمؤطّر للعلاقات الدولية، إذ أصبحت حركة رأس المال، والتجارة، والتكنولوجيا، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والمعرفة، عناصر أساسية في تشكيل قوة الدول ومكانتها.
ومع هذا التحول، أصبح من الطبيعي أن تسعى الدول التي تمتلك أدوات اقتصادية واستثمارية ولوجستية متقدمة، إلى بناء وتعزيز شراكاتها الدولية وتجاوز إطارها الجغرافي.
وعزّزت دولة الإمارات من حضورها الدولي في عمقها الخليجي، وبنت علاقاتها مع محيطها العربي وامتدادها الجغرافي بالشرق الأوسط، وامتدت لآسيا وأوروبا وأميركا ومختلف الأسواق العالمية. ومع مرور الوقت، لم تَعُد هذه الشراكات مجرد علاقات تقليدية أو تحالفات اقتصادية، بل أصبحت شبكة متكاملة من العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية المتنوعة.
وفي هذا السياق، تأتي أفريقيا باعتبارها امتداداً طبيعياً لهذه الرؤية الحضارية والتنموية، لا حالة استثنائية ظرفية، فأفريقيا بحجمها وثرواتها، وإمكاناتها البشرية والاقتصادية، وبمواردها الطبيعية وفرصها المستقبلية، تُمثل شريكاً استراتيجياً رئيسياً في الاقتصاد العالمي. والإمارات، بما تمتلكه من خبرات تراكمية في مجالات الاستثمار والتجارة والطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، تستطيع أن تقدم قيمة مضافة لمختلف القطاعات التنموية الأفريقية، انطلاقاً من قاعدة الشراكة في صناعة المستقبل.
ويجب التأكيد هنا على قضية رئيسية لا يجب تجاهلها، فالدول الأفريقية تمتلك سيادتها وإرادتها وأولوياتها وقراراتها التنموية، وهي التي تُحدّد شراكاتها التي تحقق مصالحها الوطنية، وعليه فإن قراءة العلاقات الإماراتية الأفريقية يجب أن تنطلق من فهم وتحليل لما تنتجه هذه الشراكات على الأرض من استثمار وتنمية وتجارة وصناعة، وبنية تحتية وطاقة وفرص عمل ومعرفة، تسهم جميعها في تعزيز مركز تلك الدول وقدراتها التنافسية.
اليوم، تتسع الشراكة الإماراتية - الأفريقية لمجالات ترتبط مباشرة بمستقبل الإنسان الأفريقي، من الطاقة المتجددة إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومن التعليم والصحة إلى بناء القدرات والإغاثة الإنسانية. ويكشف هذا التحول طبيعة مختلفة للعلاقة، فالاستثمار لم تَعُد موجّهاً فقط إلى ما تقدمه أفريقيا اليوم، بل إلى ما يمكن أن تصبح عليه أفريقيا - الأرض والإنسان - غداً.
فالموانئ التي استثمرت فيها الإمارات لم تَعُد مجرد منشآت بحرية، بل عنوان للتنمية، وبوابة للتجارة، ومحرّك للاقتصاد، وجسر يربطها بالعالم ويفتحها للأسواق العالمية. وهنا تتجلى قيمة التجربة الإماراتية في أفريقيا وتفرّدها، فالاستثمار ليس في المكان، وإنما في الإنسان الذي يمثّل الهدف والغاية، فالإمارات لا تنظر إلى التنمية باعتبارها طريقاً لاستخراج الموارد فقط، وإنما باعتبارها طريقاً لبناء القدرات وخلق الفرص وتعزيز الكرامة الإنسانية وفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة، ولهذا تتكامل مشروعات التجارة والطاقة والبنية التحتية مع التعليم والصحة والمساعدات الإنسانية وبناء القدرات الوطنية للقارة.
كلمة أخيرة، من المهم استحضار التاريخ الذي طبع علاقات أفريقيا بالعالم، تاريخ نهب الثروات، واستغلال الموارد، ومعاناة الملايين من السُّخرة.
غير أن الشراكة التي تبنيها الإمارات مع الدول الأفريقية تنطلق من رؤية مختلفة، فالتنمية فيها ليست وسيلة للوصول إلى الموارد، بل مدخلاً لتمكين الإنسان وتعزيز قدرات المجتمعات والدول. لذلك تتحول الموانئ إلى بوابات للتجارة، والتعليم إلى استثمار في المستقبل، والاستثمارات إلى محركات للنمو وفرص العمل. وبين الأمس الذي ارتبط بالاستغلال، واليوم الذي يقوم على الشراكة، يتشكّل نموذج تنموي يراهن على ازدهار أفريقيا وتعزيز مكانتها في الاقتصاد العالمي، لا على استنزاف مقدراتها وتكريس تبعيتها واستغلال شعوبها.
*كاتبة إماراتية
إقرأ المزيد


