جريدة الإتحاد - 8/29/2026 12:40:44 AM - GMT (+4 )
أشعل ترشح السيناتور باري غولدووتر للرئاسة عام 1964 الحركة «المحافظة»، التي سيطرت تماماً على الحزب «الجمهوري» في العقود اللاحقة. والآن، تتردد أصداء حملة السيناتور بيرني ساندرز عام 2016 في أرجاء الحزب «الديمقراطي» بالطريقة نفسها.
لا شك أن التاريخ سيذكر عام 2016 باعتباره العام الذي دخلت فيه الولايات المتحدة حقبة دونالد ترامب المضطربة. لكن مع انتصارات الشعبويين اليساريين المتتالية في الانتخابات التمهيدية للحزب «الديمقراطي»، قد يُنظر إلى هذا العام كنسخة جديدة لجيل عام 1964، حين خسر سيناتور من هامش حزبه السباق الرئاسي، لكنه أشعل ثورة سياسية غيّرت البلاد.
وقد يبدو من غير المنطقي مقارنة غولدووتر وساندرز، فقد كان الأول ذا توجه شبه تحرري وترشح للرئاسة متعهداً بإلغاء برنامج الصفقة الجديدة ومعارضة الرعاية الصحية الحكومية، وخفض الضرائب. أما الثاني، فيصف نفسه كاشتراكي، يدعو إلى إعادة سياسات الصفقة الجديدة، بما يشمل الرعاية الصحية الحكومية وتوسيع نطاق الضمان الاجتماعي وزيادة الضرائب على الأثرياء.
ومع ذلك، توجد أوجه تشابه لافتة. فكلاهما كان متمرداً على التقاليد السياسية لحزبه، وساهمت نظاراتهما وشعرهما الرمادي وشخصيتهما الحادة في تكوين صورة ظلّت مرتبطة بهما بعد انتهاء حملتيهما. وخسر كلاهما السباق الرئاسي، ساندرز في الانتخابات التمهيدية «الديمقراطية»، وغولدووتر في الانتخابات العامة. والأهم أن كليهما واصل تكريس نفسه لحركته السياسية بعد خسارته الرئاسية.
وفي عام 1964، خاض غولدووتر معركته ضد الجناح الليبرالي في حزبه، ممثلاً في حاكم نيويورك نيلسون روكفلر، واستقطب المحافظين الذين ابتعدوا عن المؤسسة «الجمهورية»، التي رأوا أنها أصبحت متساهلة للغاية مع «الصفقة الجديدة». وتحول غولدووتر إلى رمز بسبب مواقفه المُتعنتة، ومنها قوله إن «التطرف في الدفاع عن الحرية ليس رذيلة»، وإن الاعتدال في السعي إلى العدالة ليس فضيلة.
وعندما خسر غولدووتر في 44 ولاية، اعتُبرت هزيمته نهاية الحركة المحافظة. حتى قيل إن غولدووتر لم يخسر الانتخابات الرئاسية فحسب، بل ألحق الضرر بالقضية المحافظة وحزبه لفترة طويلة. لكن الواقع أثبت العكس، إذ فاز «الجمهوريون» بخمسة من الانتخابات الرئاسية الست التالية، بينها انتصار رونالد ريجان الساحق عام 1980، وهو أشهر مناصري حملة غولدووتر، والذي نفّذ سريعاً وعوداً بخفض الضرائب وإلغاء القيود التنظيمية.
كما بدأ «المحافظون» على نهج غولدووتر في تحقيق مكاسب داخل الكونجرس. وأُطيح بسيناتورات «جمهوريين» ليبراليين في الانتخابات التمهيدية أمام منافسين «محافظين». وخلال أربعة أعوام فقط، أنهى «الجمهوريون» الأغلبية الساحقة التي كان «الديمقراطيون» يتمتعون بها في مجلس الشيوخ منذ عام 1976، وسيطروا على المجلس عام 1980. وبعدها أطلق النائب الجمهوري عن جورجيا نيوت غينغريتش تمرده ضد قيادة مجلس النواب المعتدلة. والآن، ربما يعيد التاريخ نفسه بصورة جديدة.
فمثلما فعلت حملة غولدووتر، قامت حملة ساندرز عام 2016 على تمرد ضد مؤسسة الحزب «الديمقراطي» وضد مرشحها المختار آنذاك، هيلاري كلينتون. وكما ألهم غولدووتر جيلاً من المحافظين الشباب، شكّل انتقاد ساندرز لحكم القلة وعدم المساواة في الثروة ونفوذ الشركات لحظة صحوة سياسية لجيل الناخبين اليساريين المحبطين داخل الحزب «الديمقراطي».
وبعد عقد من خسارته، تبدو بذور ساندرز وكأنها تثمر سياسياً بالطريقة التي أثمرت بها بذور غولدووتر. فأزمة القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وحروب الشرق الأوسط، وفساد ترامب، عززت كثيراً من الانتقادات التي طرحها ساندرز، بينما تتشكّل انتخابات التجديد النصفي على روح العصر المناهضة للمؤسسة الحاكمة.
وقد خسر أربعة نواب «ديمقراطيين» حاليين الانتخابات التمهيدية أمام منافسين أكثر تقدمية، بينما هزم ثمانية تقدميين آخرين مرشحين مرتبطين بالمؤسسة في انتخابات تمهيدية لمقاعد شاغرة بمجلس النواب. وفي انتخابات مجلس الشيوخ التمهيدية، انتصر مسؤول الصحة العامة في ميشيغان عبد السيد، ونائبة حاكم مينيسوتا بيغي فلاناغان، والنائبة في مجلس نواب فلوريدا أنجي نيكسون، بفضل حملات على نهج ساندرز.
ومع اقتراب انتخابات 2028، أصبح اثنان من أبرز صانعي النفوذ داخل الحزب من أتباع ساندرز: عمدة نيويورك التقدمي زهران ممداني، والنائبة ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، التي تظهر في استطلاعات مبكرة للمنافسة على ترشيح الحزب للرئاسة، إلى جانب مرشحين محتملين يساريين مثل «رو خانا» النائب عن كاليفورنيا.
لكن ليس واضحاً أن حركة ساندرز ستسير بالجدول الزمني نفسه الذي اتبعته حركة غولدووتر وصولاً إلى فوز ريجان بالرئاسة، ولا يوجد ما يضمن أن ينتهي التمرد الشعبوي «الديمقراطي» بالفوز بالبيت الأبيض.
وقد استفادت حركة «غولدووتر» من دعم مصالح ثرية رأت في أجندتها لخفض الضرائب وإلغاء القيود التنظيمية مكاسب مباشرة، بينما تواجه حركة ساندرز تلك القوى نفسها وتتصدى لفصيل «ديمقراطي» مرتبط بالشركات يتعهد بإنفاق ملايين الدولارات لإحباطها.
وإذا خسر المرشحون الشعبويون الانتخابات العامة، فسيزعم الجناح «الديمقراطي» المرتبط بالشركات أن تلك الهزائم تثبت عدم قدرة المرشحين المتحالفين مع ساندرز على الفوز. لكن إذا أكمل ساندرز وحلفاؤه ثورتهم على طريقة غولدووتر، فقد يلقى «الديمقراطيون» المرتبطون بالشركات مصير الديناصورات والجمهوريين الليبراليين من الطراز القديم.
ينشر بترتيب حاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*رئيس تحرير «ذا ليفر»، وكان كاتب خطابات في الحملة الرئاسية للسيناتور بيرني ساندرز عام 2020.
إقرأ المزيد


