روّاد النهضة العربية.. التغفيل قبل التكفير
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تواضع العلوم على مصطلحاتٍ معينةٍ للتعبير عن حالاتٍ تمّ رصدها وتحديدها وإبرازها هي ظاهرة علميةٌ مفيدةٌ، وقد تطورت ضمن علوم الحديث وعلم الجرح والتعديل تحديداً مصطلحٌ يسمّى «غفلة الصالحين»، وهو مصطلحٌ دقيقٌ يراد به التعبير عن صدق التدين عند الشخص وضعف الثقة بعلمه أو روايته، فيقال بأن فلان «فيه غفلة الصالحين».
رفاعة الطهطاوي في سياق هذه المقالات هو نموذجٌ معبرٌ عن تناول شخصيات روّاد النهضة العربية وكيف انتقل الموقف منهم من الإشادة إلى التذبذب إلى الهجوم عليهم واتهامهم وتكفير بعضهم، وقد كانت الإشادة بدور رفاعة الطهطاوي النهضوي والتنويري كبيرةً وواسعةً في كثيرٍ من المجالات التي تميّز بها، إنْ في وصف رحلته لفرنسا إماماً للمبتعثين الأوائل في زمن محمد علي باشا في كتابه «تخليص الإبريز»، وإنْ تأسيسه للتعليم الجديد في «مدرسة الألسن» وإن في الصحافة في إطلاقه لصحيفة «الوقائع المصرية»، وإنْ في الترجمة حيث ترجم عدداً من الكتب، وإنْ في خطابه الديني والفكري الذي كان يسعى به للدفع قُدماً بالثقافة المصرية والعربية والإسلامية نحو التطوّر ومواجهة تحديات العصر الذي عاشه.
وعلى الرغم من هذا فإنه بعد تغير القيادة السياسية قد تعرض للإبعاد والإقصاء إلى السودان والتهميش من المشهد، وقد تلا ذلك تذبذبٌ في النظر إلى دوره النهضوي والريادي والتنويري فبدأ التشكيك فيه يخرج في طروحات بعض الكتّاب المحسوبين على التيار الإسلامي العام، ومن ذلك ما كتبه عنه محمود شاكر في مقالةٍ ضمن سلسلةٍ، وكان عنوان المقالة هو «وهذا هو تاريخها»، ونشرت ضمن كتابه «أباطيل وأسمارٌ» في الصفحة 151 وقال فيها عن رفاعة ما نصه: «وكان الرجل - كما يظهر من كتبه - ذكياً سليم الطويّة، وفيه غفلةٌ يسيرةٌ أو شديدةٌ، جعلته أحياناً يقف كالحائر فاغراً فاه من عظمة ما رأى في بلاد الفرنسيس !! فلما عاد إلى مصر ألّف وترجم». ثم يضيف شاكر: «ولكني لا أشك أن هذا الرأي الذي وقع فيه رفاعة الطهطاوي لم يكن رأياً استحدثه هو، بل جاءه أيام كان مقيماً مع البعثة بفرنسا، غرّه به داهيةٌ من دهاة القوم، عرف ما يكنّ رفاعة لبلاده من حب التقدم، فلم يزل به حتى أراه الباطل حقاً»، وهذا الكلام عن رفاعة فيه تجنٍّ كبيرٍ عليه واتهامه بـ «غفلة الصالحين» على الرغم من «ذكائه» وهو «فاغرٌ فاه» كالأحمق وهو يتلقّن أفكاره من غيره، وبالذات من «أعداء الأمة» الذين يسميهم شاكر «القوم»، وهي التسمية التي استمرت طويلاً في خطاب جماعات الإسلام السياسي ورموزها للتعبير عن الأعداء والخصوم والكفار.
عبارات شاكر في التشكيك كانت تتضمن جُملاً مثل: «كما يظهر من كتبه»، وكذلك «فيه غلفةٌ يسيرةٌ أو شديدةٌ»، وكذلك «يقف كالحائر فاغراً فاه»، وهي عباراتٌ ورثها عنه محمد قطب وعبّر عنها في كتابه «قضية التنوير في العالم الإسلامي» فقال في ص 33 ما نصّه: «نحسب الأجيال الأولى من (التنويريين) - رفاعة رافع الطهطاوي وأمثاله - كانوا مخلصين، والله أعلم بهم.. لم يكن في قلوبهم ذلك الحقد الأسود على الإسلام الذي اكتسبه المتأخرون منهم»، فهو لم يجعله مغفلاً فقط، بل جعله في ريادة من «يتحدثون عن الإسلام وكأنه العدو الأكبر الذي لا بد من إزالته من الأرض.
أخيراً، فقد كتب عن هذا كثيرون، من أمثال رئيف خوري وحسين فوزي وأنور عبدالملك، وغيرهم كثيرٌ، وهذه محاولةٌ لرصد لحظةٍ مهمةٍ في الانتقال من الاعتراف بالريادة إلى التشكيك ثم إلى الهجوم. 


*كاتب سعودي



إقرأ المزيد